الرئيسية / 24 ساعة / إذا عمَّتْ هانَت

إذا عمَّتْ هانَت

  في قديم الزمان ، كان هناك ملك عظيم يحكم بلاداً ممتدة الأطراف بها من كل الخيرات و الهبات الربانية، و كان له شعب رائع يسود بينه الاحترام و التقدير و حب الغير .

   ذات يوم ، تلوثت المياه الجوفية للمملكة بمادة مجهولة تصيب كل من يشربها بالحمق و الخرَف لدرجةٍ يعجز الاطباء عن شفاءه . وصل الخبر سريعا للملك، فجمع مستشاريه و ذوو الحكمة للبحث في تلك المعضلة و إيجاد حل لها. أشاروا عليه أن يجمعوا كمية كبيرة من الماء النقي تكفي البلاط لعشرات السنين حتى تكون العائلة الملكية و الوزراء في مأمن من الحمق، فيتمكنوا من تسيير أمور الشعب الأخرق ..  و هكذا كان، تفشَّى المرض في الحواضر و البوادي، و بعد سنوات قليلة عم كل أرجاء المملكة و لم يستثن غير السلطان و الحاشية الذين كانوا يشربون من مخزون المياه النقية . 

  صارت الشوارع تعج بالفوضى و الهرج، و انقلب الشعب من مسالم حكيم الى مخبول يقوم بكل ما يخطر بباله غير آبه لعواقب افعاله. 

  و يوما، سرت إشاعة بين الناس مفادها أن الملك و المستشارين و الوزراء صاروا حمقى، و ان سياستهم صارت تعارض الشعب و تسير ضد أحلامه و طموحاته .. و حتما يجب تغيير السلطان بآخر اكثر حكمة و عقلانية. جمع الملك مرة اخرى كل الحكماء و المستشارين طالبا منهم النصح ، أشاروا عليه بسجن أو إعدام كل المتآمرين ضده، حتى تخمد نار الفتنة . غير ان كبير الحكماء، و كان شخصاً طاعنا في السن و ذو تجربة كبيرة في الحياة ظل ساكتا يراقب النقاش، قبل ان يأخذ الكلمة : 

   – أرى انه لا فائدة من حبس كل المتآمرين و الخارجين عن القانون لأن عددهم يتكاثر يوما بعد يوم، و غدا ستصبح الإشاعة حقيقة دامغة إذ اننا صرنا نفكر بعقل غير عقلهم، و منطق يخالف رؤيتهم. نحن في أعينهم الحمقى الذين يجب تغيرهم . لذا .. ارى ان نشرب جميعا من ماءهم حتى نصير مثلهم و ننجو على الأقل بحياتنا .. 

  شرب السلطان و كافة الوزراء و الحكماء من الماء الملوث، فلم يشعروا بشيء مختلف سوى هدوء تام في البلاد، عقب انتشار خبر شفاء الملك الذي هلل لسماعه الشعب ، فأقيمت الأفراح و الإحتفالات، و دامت سنين طويلة. و عمَّتِ السعادة من جديد ربوع المملكة، و صار كل يوم قانون جديد قد يؤخذ به .. أو لا يؤخذ بعين الإعتبار. 

عن نبيل العلوي

شاهد أيضاً

هل تشهد تركيا انهيارا اقتصاديا؟

أطلقت المملكة العربية السعودية حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غير معلن عنها رسميا، لمقاطعة البضائع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.