الرئيسية / 24 ساعة / الغراب و الثعلب

الغراب و الثعلب

 
 سار الثعلب يوما بين الأشجار و الجوع يكاد يفتك به، إذ أنه لم يذق طعم الأكل منذ أيام لدرجة التصاق فرائه الرمادي بضلوعه. وقف ليستريح من عناء المشي تحت شجرة سنديان عملاقة و اخذ يجول بنظره في الغابة الفسيحة باحثا عن جرذ أو أرنب تائه يسد رمقه. 

  فجأة، رفع الثعلب رأسه، فلمح غرابا أسوداً على غصن مرتفع في الشجرة المقابلة له، بفمه كانت هناك قطعة جبن بيضاء شهية، لا شك أنه يحملها لصغاره . بسرعة، أخذ الثلعب يخطط كيف يمكنه الحصول عليها. اقترب من أسفل الشجرة وبادر الغراب بالتحية: “صباح الخير أيها الطائر الذكي، ذو الصوت الشجي، هلاَّ غنيت شيئا مم تحفظه؟ فقد سمعت أنك من أجود الطيود تغريداً و طرباً ” .   وضع الغراب قطعة الجبن تحت جناحه و قال: ” هل تراني مثل أحد اسلافي الغربان؟ لقد صلتني قصته، و كيف أراد الغناء فسقطت قطعة الجبن أرضا، فالتهمها جدك الثعلب .. و تلك حيلة لن تنطوي علي”. 

    دهش الثعلب من الرد القوي للغراب، لكنه تدارك الموقف و قال مستطرداً: ليست لدي نية في سرقة أكلك، كنت فقط أرغب في التعرف عليك كي تحكي لي عن سفرك و تجوالك، فقد سمعت انك تطير بعيدا و تحلق فوق المدن و القرى، و تراقب الحضارات و جميع المخلوقات .. حدثني عن البشر و عن اختراعاتهم، سمعت انهم صاروا يطيرون مثلكم !!” طأطأ الغراب رأسه من الحزن و تنهد قائلا : ” لو تعلم ماذا فعل البشر بأنفسهم ؟ لقد طاروا كالغربان حقا … لقد اخترعوا طائرات تُحرق الأخضر و اليابس، استعبدوا بعضهم بعضا، أغاروا على مدن و حضارات و استباحو دمهم و حرماتهم. بنوا مدنا كبيرة و يبوتا عالية غير انهم فقدوا انسانيتهم. كونوا ميليشيات و معتقدات و عبدو من دون الله آلهة كثيرة أولها الذهب و البترول، لم يعودوا يخافون الله فاصبحو يخافون بعضهم البعض.  حتى نفاياتهم صارت مضرة للطبيعة و الأرض.  حبسوا الحيوانات في اقفاص و صاروا يرمون لها الطعام متى شاؤوا. نزعو الثياب من فوق ظهورهم و صاروا عراةً مفتخرين بالحضارة .. اغتصبوا … قَتلوا .. نَهبوا .. سَبوْا .. تَعالَوا .. و ربُّنا بريء منهم ..” قالها الغراب و نشر جناحيه العريضين فسقطت قطعة الجبن التي كانت تحتها و تدحرجت في الأرض أمام الثعلب .

     بقي الثعلب مذهولا لما سمع غير آبه بالجوع الذي يمزق احشاؤه ، قال له الغراب : ” تفضل !! كُل .. فنحن لسنا مثلهم ، نحن نقتل فقط كي نأكل، اما هم فيقتلون حين يشبعون ” أجاب الثعلب : ” تبا لك، لم تعد لدي شهية للأكل، أعوذ بالله من الإنسان الرجيم”

عن نبيل العلوي

شاهد أيضاً

هل تشهد تركيا انهيارا اقتصاديا؟

أطلقت المملكة العربية السعودية حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غير معلن عنها رسميا، لمقاطعة البضائع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.