الرئيسية / 24 ساعة / تافروات أو موسم الهجرة الى الجنوب

تافروات أو موسم الهجرة الى الجنوب

محمد دخاي / كاتب مغربي

خيط ضوئي يسرد دمعاته وهو يشع على وجهي من جبل قريب وأنا أصل المدينة ذاك الصباح الباكر، وجوه نبتت منذ زمان تنسج خطواتها على التربة، تقرأ أثر الزمن وكأنها تنتظرني، فهي تسع كل الوجود بنخبوية متفردة يشبه سكانها متصوفة انعزلوا في دير، بعد أن رهنوا أنفسهم للمحبة وأحلام الناس… تسافر في كل أرجاء المغرب لكن لتافروات نغمتها الخاصة، فزميلي وصديقي في الكلية آنذاك كان من تافروات، وكان لزاما عليّ أن أزوره لكي نحول المكان إلى منصة للكتابة، والبحث عن أناس شكلوا العالم، لم يضعوا أنفسهم في أبراج نخبوية، ولأنهم لا يعيشون في عزلة منسية وضعوا كل الأشياء الجميلة في صلب مشروع للمكاشفة والبوح..
تافروات نغمة متفردة في جبين خريطة الوطن الممتد من البحر إلى الصحراء، بأناسها وجبالها الهاربين من صخب الاستهلاك اليومي وروتين المدن، تجعلك تتوغل في انتمائها في خلسة روحانية.. الخيط الضوئي ما زال يزحف، وها هي الجحافل من الناس تسير في كل الاتجاهات، أختار لنفسي مقهى بسيطا على جانب الطريق، أجلس على كرسي خشبي يحمل تاريخا من مرور العابرين، يجلس مسن بجانبي، ربما ينتظر شيوخا هدهم الزمن، لأن ما يجمعهم كل صباح بعيدا عن الحياة العصرية بكل تجلياتها وهمومها هو كأس من الشاي المنعنع، الذي هزت رائحته فضولي بحنين من المودة وكثير من التعارف..
الشارع الرئيس بدا منتشيا بزوراه من المتسوقين البسطاء، قليل من الرزق لكن فيه من جمالية العطاء الشيء الكثير، أناس يتنفسون بأريج العمر، الذي ينثرونه عطاء وافرا، رغم صعوبة الحياة في ذروة العمل وشدة المهمة، إلا أنها لذة العيش في العمل، رغم أن كثيرا من أبنائهم غادروا تافروات سنوات وأسابيع وشهورا، إلى كل ربوع الأرض التي جعلها الله ذلولا لنمشي في مناكبها ونأكل من رزقه.
جلسة السوق اكتشفت من خلالها أنني في فضاء غير الفضاءات السابقة التي احتوتني، سألت الشيخ الذي كان بجانبي عن فضاعات الزمن، وما فعله بأناس مروا من هنا، أكد لي بحسرة بالغة أن هناك أسماء خالدة، جرجرها الموت بعيدا وبقيت رائحة من الذكرى، لقد كانوا روادا للجلسات الصباحية، بعد ان تحولوا من أسماء لها من الصيت ما لها، إلى نسمة هوائية تختلط ذكرياتهم برائحة الشاي المنعنع وزيت الأورغان والخبز الساخن..
تافروات مدينة مثقلة بالتراث وسحر الماضي الذي ينقش وجوه البيوت، والوجوه التي تعشق الحياة ورونقها حتى الثمالة، كمكان يعيد لهم بريق الوجود وجمالية المكان التي تجعلهم يولدون كل يوم مرارا وتكرارا في جيوب السكينة والصمت واكتظاظ الحياة بالأشياء المألوفة، لديهم كمعرفتهم بالأمكنة التي اعتادوا عليها وفرزوا بها حياتهم…
ترى من أين جاء هذا المكان بسحره؟ وكأنما يتمحور العالم برمته حوله، حتى إن اختلف إيقاع ولون خواص سكانه، وامتازت أرواحهم ووجوههم بالتضاريس المتباينة، وإن تمايز وحلهم وطينهم وهواجسهم فهم في النهاية لحن للحياة يعزفونه على مزمار السكينة والثقة العالية.
تبتلعني تافروات كل مرة أزورهـــــا، ليس لأنني أحببتها ولكن لأنني عشقتها، فالعشق انصهار في المعشوق، فأخذت روحي بمجاميعها لتغــــدق عليّ أنفاسها بنسمة بــــاردة كما تفعلها مع الجميع… في العشق تتنسك الأوردة وتحـــت شجــــرة المنتـــهى، نرتل الأناشــــيد من أجــــل فضاءات خلقـــت للحــــب وتغرد للهواء الطلـــق فتصـــــبح ســـاحة ممــــتدة بكل البوح تسترخـــي هناك في الجنوب ترصد كل الأشياء الجميلة التي لا يمكن أن تنسى.

عن عزالدين السريفي

شاهد أيضاً

“البيجيدي”.. الرجل المريض

دون سابق موعد، وخارج السياق التحريري لموقع حزب العدالة والتنمية، خرج علينا أحد المدثرين تحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.