الرئيسية / 24 ساعة / يوم بالرباط

يوم بالرباط

أحدى الطرائف التي صادفتني أنه يوما ذهبت للعاصمة لزيارة بعض الأقارب هناك .. فكان ان خرجت صباحا اتنزه في شوارعها و محلاتها التي تزخر بماركات عالمية ثمنها يفوق راتبي الهزيل وقتها – لا يزال هزيلا حتى كتابة هذه الأسطر .. لكن هذا لا يهم – و أشاهد الموظفين يمضون بحزم نحو مكاتبهم . سرعان ما أحسست بالملل فقررت الذهاب الى احد المقاهي المجاورة لدار البريهي لآخذ قهوة و أقرا جرائد اليوم . 

قبل هذا عرجت على مكتب التبغ و اشتريت علبة سجائر شقراء كنت مدمنا على تدخينها بشراهة لا مثيل لها . كانت العلبة التي بجيبي قد شارفت على الإنتهاء. اخترت طاولة مشمسة و طلبت من النادل قهوة بقطعة سكر واحدة . أومأ براسه موافقا على طلبي و اختفى داخل المقهى . 

وضعت العلبتين فوق الطاولة و أشعلت سيجارة .. اتذكر اني سهوت أفكر في موضوع كان يشغل بالي آنذاك . فلم ألاحظ وقوف شاب أمامي حتى وجدته يأخذ العلبة من أمامي و يفتحها ثم يأخذ سيجارة منها و يضعها بين شفتيه .. تناول أيضا القداحة التي كانت فوق الطاولة و أشعلها .

كان شابا في مقتبل العمر ، يلبس بدلة زرقاء بقميص أبيض و ربطة عنق حمراء . ينتعل حذاء جلديا اسود و ساعة روليكس مقلدة و تفوح منه رائحة عطر قوية 

 هيأته توحي أنه موظف بإحدى الوكالات البنكية المنتشرة كالفطر في تلك المنطقة أو موزع تجاري لشركة أدوية ينتظر فتح العيادات حتى يقابل الأطباء و يعرض عليهم ما يبيع من مستحضرات طبية و تجميلية 

  السحبة الاولى اخذت منه وقتا طويلا، ترك العنان لفمه و أنفه لطرد أول أكسيد الكربون، أخذ وقتا إضافيا و هو يتأمل سحابة الدخان التي صنعها و هي تتلاشى في الهواء . ثم أخذ رشفة أخرى لا تقل عمقا عن سابقتها ، نفث الدخان قبل أن يأخذ من العلبة الشبه فارغة ثلاث سجائر وضعها برفق في جيب سترته الداخلي، و بالمقابل أخرج ورقة نقدية خضراء وضعها فوق الطاولة أمامي غير آبه للدهشة التي غيرت ملامح وجهي . 

في نفس الوقت وصل النادل بخطى سريعة يحمل صينية بها فنجان القهوة التي طلبت و قارورة من الماء المعدني . قام بوضعها على الطاولة و قال مبررا تأخره عن احضار الطلبية : أحسن قهوة للاستاذ . 

كان هذا المشهد كفيلا بتفسير سوء الفهم لصديقنا الأنيق الذي احمرت وجنتاه من هول الصدمة و أخذ يتمتم بكلمات اعتذار : ضننتك تبيع …. أ ..أ … المعذرة .. آسف سيدي . تبا ..

  انفجرت ضاحكا حتى دمعت عيناي و أشرت له بيدي حتى يكف عن الكلام .. بينما انتقلت الدهشة مني إليه ، 

– ظننتَ اني ابيع السجائر ؟!! . 

– أوه .. نعم .. عندما رأيت علبتين فوق الطاولة .. و في نفس المكان الذي يجلس فيه “با المكي” 

تدخل النادل ليفسر ان “با المكي”  جندي متقاعد طيب ، يشغل وقته ببيع السجائر في ذاك المقهى و مشاركة الناس احاديثهم و نقاشاتهم . 

 طلبت من الشاب إرجاع النقود الى جيبه و الاحتفاظ بالسجائر، بينما كان يحاول الاعتذار مجددا و يقترح دفع ثمن فنجان القهوة . 

عن نبيل العلوي

شاهد أيضاً

ناشطات مغربيات يطالبن الحكومة بالكف عن استغلال قضايا النساء في تصفية خصومها السياسيين

طالب العديد من الناشطات المغربيات الدولة بوقف استغلال قضايا النساء في تصفية خصومها السياسيين، ووقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.