الرئيسية / 24 ساعة / التكايا بالدول العربية.. موروث عثماني يفيض بالخير على الفقراء

التكايا بالدول العربية.. موروث عثماني يفيض بالخير على الفقراء

في ظل جائحة كورونا وتحوّل عشرات الآلاف إلى الفقر، يبرز دور التكيات في تلبية جزء كبير من حاجة المحتاجين الغذائية خصوصاً في شهر رمضان المبارك.

في أزقة المخيمات والأحياء الفلسطينية الفقيرة في غزة والضفة الغربية، مروراً بالمناطق الفقيرة في الأردن ومصر وصولاً إلى عديد من الدول العربية الأخرى، تنتشر “التكايا” التي تفيض بالخير على العائلات الأشد فقراً وتقدم لهم وجبات الطعام اليومية لسد رمقهم في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الدول العربية في السنوات الأخيرة.

هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة تزايدت بشكل كبير مع انتشار جائحة كورونا حول العالم وتطبيق إجراءات الحجر الصحي التي وقفت معظم الأعمال في العالم العربي وبالتالي جمدت دخل كثير من العائلات مما زاد أهمية “التكايا” التي توسع انتشارها وباتت الخيار المثالي للوقوف إلى جانب العائلات الأشد فقراً، وهي العائلات غير القادرة على تأمين احتياجاتها اليومية من الطعام لا سيما في شهر رمضان.

والتكايا إرث عثماني تاريخي، وإن اختلفت أشكالها المعمارية ووظائفها على مدى القرون والعقود الماضية، فإنها بشكل عامّ كانت مراكز ومباتاً للمتصوفين والدراويش وملجأ للفقراء والمحتاجين وملاذاً للمسافرين والمقطوعين، وكانت تقدم الطعام والشراب للمحتاجين. والتكايا في العالم العربي في الوقت الحالي تُعتبر بشكل كبير مراكز لتوزيع الطعام والمساعدات الغذائية على العائلات الأشد فقراً.

إرث عثماني تاريخي

لغوياً، التكية من الفعل اتكأ بمعنى استند، أما اصطلاحاً فهي مكان لممارسة العبادة وتنظيم حلقات الذكر أو مكان يستضيف المسافرين، أو مكان لعابري السبيل، بصورة غير منتظمة وغير إجبارية، على عكس النظام الذي كان متبعاً في الخانقاه، فالتكية ليست مدرسة وليست جامعاً، فهي مجرد استراحة صوفية يقيم فيها من شاء دون أي أعباء مادية.

والتكايا موجودة بمفهومها العامّ منذ العصر السلجوقي والأيوبي والمملوكي، وكان يطلق عليها “الخانقاوات“، لكنها ازدهرت وتوسعت بشكل كبير جداً في زمن الدولة العثمانية التي دعمتها بقوة حيث لم تكن مهمتها تقديم الطعام فقط، إذ وسّعتها الدولة العثمانية بحيث أصبحت أماكن لتنظيم حلقات الذكر والوعظ الديني، ثم توسعت أكثر وأخذت أكثر من شكل سواء الديني والتعليمي والاجتماعي أو حتى الصحي، بإضافة وظيفة أخرى هي تطبيب المرضى.

أبرز التكايا التاريخية

من أشهر تكايا تركيا “خان المولوية”، أو كما يسميه البعض “خان غالاتا” في منطقة غالاتا في إسطنبول، وهي أول تكية أُنشئت في المدينة عام 1491، وأصبحت متحفاً للأدب العثماني، و”تكية النقشبندية الأوزبكية” وتكية “حسيريزاد” وتكية “عيني بابا”، كما تبرز تكية “التربة خانة” التي تعني “قاعة المدفن”، وتُعَدّ أشهر تكية مولوية في قونيا، ومدفون فيها كبير المتصوفين جلال الدين الرومي، و”التكية السليمانية” التي بناها المعماري سنان في إسطنبول.

وعلى مدار قرون عديدة تنفرد العمارة العثمانية بالجمع بين الفخامة السلطانية والبساطة الشعبية تاركة بصمة تاريخية وروحانية خاصة في الدول العربية التي خضعت لحكم الدولة العثمانية، مما انعكس أثره على بقاء عادات وتقاليد متوارثة حتى اليوم والتي ارتبط مفهومها بالعبادات وصور التكافل الاجتماعي.

ففي مدينة الخليل الفلسطينية توجد تكية إبراهيم عليه السلام، التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي بعد فتح بيت المقدس عام 1187، وهي أقدم تكية في فلسطين، كما توجد تكية خاصكي سلطان في القدس بجوار المسجد الأقصى، وتكية النبي موسى، وتكية المغربي أنشأها صلاح الدين الأيوبي في حطين، وتكية عيون التجار بقضاء طبرية، وتكية السري السقطي غربي نابلس، والتكية المولوية في القدس، وفي غزة أيضًا تكيتان هما تكية عبد العظيم وتكية مرغان.

وفي مصر، التي تضمّ عدداً كبيراً من التكايا العثمانية تبرز التكية السليمانية بالسروجية، والتكية الرفاعية في بولاق وهي تخص الطريقة الرفاعية الصوفية، ولعل من أشهر التكايا التي ما زالت مستخدمة إلى الآن تكية الدراويش “المولوية” نسبةً إلى طائفة الدراويش المولوية إحدى الطرق الصوفية، وغيرها كثير.

وفي دمشق تُعَدّ التكية السليمانية من أهم الآثار والتصاميم العثمانية التي صممها معمار سنان والتي بُنيت بأمر من السلطان سليمان القانوني عام 1554، وأكبر وأعمر التكايا في حلب تكية المولوية الملخانة، ويعود بعض أجزائها إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وبها قبر خطاط الدولة العثمانية حسين حسني.

وفي مدينة طرابلس اللبنانية تُعَدّ التكية المولوية هي من أبرز الآثار التي بنيت عام 1619 ونُسبت إلى صوفيين لُقّبوا بالدراويش اتخذوها مقراً لهم، وخُصّصت لاستضافة عابري السبيل. وفي العراق أيضاً كان للتكايا رونقها ومكانتها، ومنها تكية بكتاشي في النجف الأشرف وغيرها كثير، وانتشرت في النجف وكربلاء.

ازدهار التكايا في زمن كورونا

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها كثير من الدول العربية بشكل عام في الآونة الأخيرة، وتزامن شهر رمضان مع استمرار توقف الحياة الاقتصادية بسبب انتشار فيروس كورونا، باتت التكايا المنتشرة في ربوع كثير من الدول العربية ملجأ العائلات الأشد فقراً. وبعيداً عن التصميمات المعمارية التاريخية لشكل الزاوية ومهامها المتنوعة، بات اليوم روح الفكرة هو الأكثر شيوعاً، وتحولت فكرة “التكية” إلى ملهم لإقامة نقاط لتوزيع الطعام على الفقراء تحمل اسم “التكية”.

ففي قطاع غزة الذي يُعتبر من المناطق الأشد فقراً في العالم، تنتشر عشرات التكايا في الأحياء والمخيمات بمبادرات شخصية وعائلية ومؤسساتية وحتى مبادرات شبابية، وتقوم فكرتها ببساطة على جميع التبرعات من الميسورين سواء أشخاص أو مطاعم أو شركات أو هيئات محلية ودولية إغاثية داعمة، وتُعِدّ الطعام يومياً وتوزّعه على عشرات آلاف الأسر الفقيرة.

وتحمل هذه التكايا أسماء مختلفة، منها تكية “فاستبِقوا الخيرات”، وتكية “إبراهيم الخليل”، وتكية “مبادري رفح”، وتكية “عزة هاشم”، وتكية “عباد الرحمن”، وغيرها كثير.

وفي مشهد مشابه، تنتشر التكايا في أغلب مخيمات وأحياء الضفة، منها التاريخية وأبرزها “التكية الإبراهيمية” في مدينة الخليل التي أُسّست إبان حكم الأيوبيين بين عامي 1174 و1250، وما زالت منذ فترة الحكم العثماني وحتى اليوم تلقى اهتماماً ورعاية من تركيا حتى رمّمتها عام 2017 وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا”، وتطعم هذه التكية قرابة 12 ألف شخص يومياً، وبسببها باتت الخليل تُعتبر “المدينة التي لا ينام فيها جائع”، كما تبرز “تكية نابلس الخيرية” في نابلس، و”تكية عايدة” في مخيم عايدة، وغيرها كثير، وبات توزيع الطعام إلى المنازل البديل الأنسب مع حظر التجمعات وتناول الطعام داخل التكايا أو في موائد الرحمن.

التكايا والتكنولوجيا
وفي مصر أيضاً التي تضم كثيراً من التكايا بمعناها التقليدي، انتشرت في الآونة الأخيرة التكايا الخيرية التي تركز على إطعام الأشد فقراً وإيصال الوجبات إلى منازلهم، وباتت التكايا بديلاً من “موائد الرحمن” التي كانت تنتشر في جميع أحياء مصر في شهر رمضان وتفيض بالخير على الفقراء، والتي مُنعت تماماً في ظل إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا، وبرز مشروع “مطعم التكية” الذي اعتُبر أول مطعم خيري بديل من موائد الرحمن في منطقة الشرقية، ويعمل به عشرات المتطوعين لإيصال الوجبات إلى منازل آلاف الفقراء يومياً.

وفي تسخير جديد للتكنولوجيا في خدمة المجتمع وتعزيز التكافل، أطلق نشطاء مصريون تطبيق “تكية”، وهو تطبيق على الهواتف المحمولة يهدف إلى جمع التبرعات من المواطنين والوجبات من المطاعم لتوزيع الطعام على الطواقم الطبية والمتضررين من انتشار فيروس كورونا، وهي مبادرة لاقت تفاعلاً كبيراً.

وإلى الأردن، حيث يعتبر مشروع “تكية أم علي” واحداً من أبرز وأكبر مشاريع التكايا الحديثة في العالم العربي، وبتبرعات من كبرى الشركات وأهل الخير في الأردن توزع التكية كميات كبيرة من الأطعمة والخضار والموادّ الغذائية على الأسر الأشد فقراً والأكثر تضرراً بسبب أزمة انتشار فيروس كورونا، كما ينتشر عديد من التكايا الأخرى التي تؤدِّي نفس المهمة.

بقلم : ريم جبريل، صحافية فلسطينية

عن عزالدين السريفي

شاهد أيضاً

هل تشهد تركيا انهيارا اقتصاديا؟

أطلقت المملكة العربية السعودية حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غير معلن عنها رسميا، لمقاطعة البضائع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.