الرئيسية / 24 ساعة / أردوغان وإفلاس العثمانية الجديدة

أردوغان وإفلاس العثمانية الجديدة

قد يوحى لمن يقرأ هذا العنوان أن حديث المقال يدور حول الليرة العثمانية، أو بالأحرى الليرة التركية التي خلفتها والتي ما انفكت تتهاوى خلال السنين الأخيرة. فقد هبط سعر صرف العملة التركية من ليرة ونصف للدولار الواحد قبل عشر سنوات إلى ثماني ليرات اليوم، بما بات يذكّر الأتراك بما حلّ بعملتهم السابقة لليرة الحالية. والحال أن هذه الأخيرة جرى استحداثها في عام 2005 بحذف ستة أصفار عن الليرة القديمة التي بلغت مليون و350 ألف ليرة للدولار الواحد قبل الاستحداث! صحيح أن الليرة التركية الجديدة لم تصل بعد إلى مثل الانهيار المتسارع الراهن الذي تشهده الليرتان السورية واللبنانية، غير أن مقوّمات الاقتصاد التركي وظروف الدولة التركية بعيدة جداً عن حالة الحرب السورية وحالة النهب اللبنانية، حتى ولو كان ثمة شبه بين الحكمين اللبناني والتركي في أن رئيسي البلدين يعتمدان على صهريهما (وقد تبعهما دونالد ترامب في هذا الصدد). ذلك أن لتركيا مرادفا لجبران باسيل في شخص بيرات البيرق الذي سلّمه رجب طيّب أردوغان وزارة الخزانة والمالية سنة 2018، وقد حقّق فيها الصهر نجاحاً باهراً إذا ما قسناه بتسارع انهيار عملة بلاده.
والحقيقة أن هبوط الليرة التركية ليس منعزلاً عمّا هو مقصود بما يسمّى «العثمانية الجديدة» في تركيا، وهي تسمية تُطلق على سياسة خارجية تقوم على الطموح بإعادة انتاج الإمبراطورية العثمانية بحلّة جديدة تستند إلى تغلغل البضائع والرساميل التركية مدعومة بالقوة العسكرية، على غرار التحوّل الذي رافق انتقال الدول الغربية من الاستعمار القديم إلى الإمبريالية المعاصرة. وقد بدأت هذه التسمية تُطلق على سياسة توركوت أوزال، الذي تولّى رئاسة الوزراء ومن ثم رئاسة الجمهورية في تركيا في سنوات 1983 ـ 1993، في مسار يشبه مسار أردوغان وإن لم يصل قط إلى درجة السلطوية التي تميّز الرئيس التركي الحالي.
أما العلاقة بين «العثمانية الجديدة» والليرة التركية، فتكمن في أن تهاوي هذه الأخيرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعثّر الأولى، كما يلاحظه مراقبو الاقتصاد التركي. وهاكم على سبيل المثال مقال عن الاقتصاد التركي صدر في صحيفة «فايننشال تايمس» يوم الجمعة الماضي، يقول: «إن هبوط الليرة الذي من شأنه تسعير التضخّم النقدي إنما تحفّزه جزئياً التوتّرات الجيوسياسية التي فاقمت قلق المستثمرين الأشمل إزاء توجّهات سياسة البلاد الاقتصادية».

إن هبوط الليرة الذي من شأنه تسعير التضخّم النقدي إنما تحفّزه جزئياً التوتّرات الجيوسياسية التي فاقمت قلق المستثمرين الأشمل إزاء توجّهات سياسة البلاد الاقتصادية

يأتي ذلك في حين بلغ التوسّع «العثماني الجديد» ذروة مع انخراط تركيا إلى جانب أذربيجان في الحرب الدائرة حالياً بينها وأرمينيا، بعد انخراطها إلى جانب القوى المناهضة للنظام السوري في معركتها مع هذا الأخير وحلفائه (وقد باتت سوريا مصدر تجنيد لمرتزقة ترسلهم تركيا إلى شتى ساحات القتال، على غرار الولايات المتحدة وروسيا) وانخراطها أيضاً إلى جانب حكومة فايز السراج الليبية وقواتها الحليفة في الحرب الدائرة بينها والمعسكر الذي يتزعّمه خليفة حفتر. كل هذا في حين صعّدت تركيا مناوراتها البحرية بما يفاقم التوتّر بينها واليونان مدعومة من دول الاتحاد الأوروبي، وتدخّلت بشكل سافر في دعم رئيس الوزراء الحالي لجمهورية شمال قبرص التركية (التي نتجت عن الاحتلال التركي في عام 1974) ضد رئيس الجمهورية الحالي، في الانتخابات الرئاسية الجارية حالياً في الشمال القبرصي.
والحقيقة أن هذا التوسع «العثماني الجديد» الذي يقابل التوسع «الفارسي الجديد» الذي تمارسه إيران إنما هو أضعف من الأخير لسببين رئيسيين: أولهما هو أن إيران تعتمد على ثروتها النفطية التي لولاها لانهار اقتصادها منذ زمن طويل أو ما كانت لتقوم بمثل التوسع الإقليمي الذي نهجته منذ سنوات. أما السبب الثاني فهو أن سياسة إيران الخارجية تميّزت بدهاء أكيد في استغلال الشقاق في صفوف الأخصام، بينما سياسة تركيا الخارجية تكاد تُضرب مثالاً في استعداء الجميع في آن واحد. فقبل أربع سنوات، انعطف أردوغان من تحدّي نظيره الروسي فلاديمير بوتين بمواقف عنترية بعد إسقاط دفاعاته الجوية لطائرة روسية قرب الحدود السورية، انعطف من ذلك إلى التقرّب من بوتين إلى حد شرائه بطارية صواريخ أرض ـ جو من روسيا بما أثار سخط حلفاء تركيا في الناتو. تم ذلك بينما كانت تركيا وروسيا تقفان في خندقين متقابلين في الحرب السورية، وقد توسّعت الدائرة بعد ذلك لتشمل النزاع الليبي والنزاع بين أذربيجان وأرمينيا، وفي كليهما تساند تركيا الطرف المعادي لذاك الذي تسانده روسيا.
وفي خضمّ هذه التوتّرات على جبهات متعدّدة، ارتأت تركيا أن تبدأ في اختبار الصواريخ الروسية في الأسبوع الماضي بما جلب عليها تنديداً من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، مصحوباً بتذكيرها بأن الولايات المتحدة لن تسلّمها طائرات ف-35 ما دامت تصرّ على التسلّح بصواريخ روسية. والطائرات المذكورة هي ذاتها المقاتلات الشبحية التي ترفض إسرائيل أن تبيعها واشنطن للإمارات العربية المتحدة، بالرغم من صفقة «السلام» بين الدولتين، وذلك لخشية الدولة الصهيونية أن يكون لأي غيرها في المنطقة مثل هذا السلاح المتقدّم. والحقيقة أن سياسة أردوغان الخارجية خالية من أي حنكة على غرار سياسة نظيره الأمريكي ترامب، مع فرق عظيم بين قدرات الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية وقدرات الدولة التركية. فإن مصير الليرة التركية يعكس حقاً مصير سياسة تركيا الخارجية إذ يتأثر به تأثراً مباشراً، وهما، أي الليرة والسياسة، على منحدر يقود حتماً إلى الإفلاس.

جلبير الاشقر ، كاتب واكاديمي من لبنان

عن عزالدين السريفي

شاهد أيضاً

هل يمكن أن تتحمل العلاقات الأمريكية الألمانية ولاية ثانية لترامب؟

برلين: رغم أنهما حليفتان مقربتان، لم تكن العلاقات الدبلوماسية بين برلين وواشنطن سلسة على الدوام. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.