الرئيسية / 24 ساعة / بركات نهر الغانج!

بركات نهر الغانج!

بقلم : عادل بن حمزة ، كاتب ومحلل سياسي

شكلت الهند على الدوام حالة فريدة من بين دول العالم، دولة غريبة يشدك تنوعها الثقافي والديني والعرقي، في مساحة كبيرة لكنها ليست أكبر من عدد السكان الذي تجاوز مليار نسمة، في الطريق بعد الاستقلال ترجلت كل من بنغلاديش وباكستان عن الوطن الأم، لكن ذلك لم يمنع التزايد السكاني الهائل الذي عرفته الهند، هذه الدولة تجعلك تطرح كثيراً من الأسئلة عن مفهوم الدولة الأمة، وكيف تقوم وحدة الأمم، فهذا الخليط من اللغات والأجناس والعقائد… هل بإمكانه أن يصنع حقاً وطناً بلغ عنان الفضاء وامتلك ناصية العلم والتكنولوجيا وينام على أزيد من خمسين ألف قنبلة نووية…؟ في الهند فقط تجتمع تكنولوجيا الفضاء، وعمامات السيخ وعبادة البقر، وحدها الهند تستطيع أن تجمع كل هذه المتناقضات في مكان واحد، بل إن عمامة السيخي ترافقه سواء كان شرطياً في وسط لندن، أو عضواً في البرلمان الكندي، أو بائع بيتزا في نابولي، مهما تعددت جنسياتهم المكتسبة، فإنهم يظلون أوفياء للعقيدة السيخية علماً أنها لا تشكل سوى أقلية دينية… لكنها مع ذلك تصبح علامة للهند…، نهر الغانج يعد من بين أكبر الأنهار في الهند، وهو ليس مجرد نهر للملاحة أو للسقي والشرب، حيث يعيش 400 مليون نسمة على ضفافه، بل هو نهر مقدس يحج إليه الملايين للاغتسال بنية الشفاء من كثير من الأمراض وبخاصة من الذنوب…، المفارقة هي أن نهر الغانج يعد واحداً من بين أكثر الأنهار تلوثاً، ليس في الهند فقط، بل في العالم ككل، إنه أشبه بزيت قنديل السيدة زينب في رواية “قنديل أم هاشم” ليحيى حقي، المصالحة التي بحث عنها بطل الرواية بين الخرافة والعلم، هي ما يصنعه كثير من الهنود ليجعلوا بلادهم تنمو وتتطور وسط الأمم.

الهند تشكل أكبر ديموقراطية في العالم وهي كذلك منذ الاستقلال عن بريطانيا، حيث تعرف الهند وجود مجال سياسي ومدني حيوي، الديموقراطية الهندية لم تمنع الهند من كل مظاهر البؤس والتخلف والفقر… فشوارع مومباي ونيودلهي لا تختلف عن شوارع أكثر الدول فقراً في أفريقيا جنوب الصحراء، كما أن الديموقراطية الهندية لم تمنع الأحقاد العرقية والإثنية والدينية التي لا تنتهي إلا لتبدأ بحدة أكثر وأكبر، لكنها استطاعت كتمها ووضعها في الزاوية فاسحة المجال لثقافة جديدة تخترق المجتمع بتعدديته، ببطئ طبعاً، لكن بثبات… ولعل وجود خليط البارود هذا الذي لا يمنع الهند من العيش في كنف السلم الأهلي، ما يجعل الديموقراطية في الهند مفخرة أشبه بالمعجزة.

قبل سنوات أصبحت الهند المكتب الخلفي لكل المؤسسات الأميركية، وفي جميع القطاعات من البنوك إلى “الحالة المدنية” فموزع الهاتف، حيث فقدت أميركا لفائدة الهند أزيد من 500 ألف منصب شغل في عشر سنوات الأخيرة في قطاع ترحيل الخدمات، يُساعدها في ذلك وجود أزيد من 300 مليون من السكان يتقنون اللغة الانكليزية، بل تم خلق مدارس لتدريس مختلف أنواع نطق اللغة الانكليزية، كل ذلك بأجور متواضعة لا تغطي حتى نصف أسبوع من الاستهلاك بالنسبة الى مواطن أميركي. يكفي أن نعلم أن الهند هي من اخترعت الـUSB، وأن رئيس “غوغل” هندي، ورئيس “مايكروسوفت” هندي، ورئيس “ماستر كارد” هندي…ترى هل حدث ذلك كله بالصدفة؟ ألا تمثل التجربة الهندية نموذجاً شرقياً يمكننا أن نستلهم منه الدروس والتجارب؟

عن جسر بريس

شاهد أيضاً

الدار البيضاء .. مشاريع سترى النور قريبا

يستعد مجلس مدينة الدار البيضاء في غضون الأسابيع القليلة القادمة إلى إطلاق عدد من المشاريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.