الرئيسية / 24 ساعة / ملابسات أنبوب الغاز الذي ارتد على الجزائر

ملابسات أنبوب الغاز الذي ارتد على الجزائر

لم تشهد العلاقات المغربية الإسبانية فترة زاهية أكثر مما تعيشه الآن، حيث فتح معبرا سبتة ومليلية قبل يومين وبدأت الاستعدادات لعودة المهاجرين عن طريق الموانئ الأندلسية، والأهم هو قرار مغربي إسباني حول خط الغاز الذي كان ينقل الطاقة من الجزائر إلى أوربا وأوقفته الجزائر بعدما فسخت العقدة مع المغرب، وذلك بإعادة اشتغاله في اتجاه معاكس بحيث تضخ إسبانيا من خلاله الغاز لبلادنا، وبالطبع كان هذا الموقف أيضا سببا في إشعال الغضب في قصر المرادية. وهنا زووم على الحدث.

أصل الحكاية

منذ التحول الكبير الذي شهده الموقف الإسباني من قضية الصحراء، بعدما أعلنت مدريد في 18 مارس الماضي، دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي الذي تعتبره الرباط حلا وحيدا للنزاع المفتعل، وغضب السلطات الجزائرية يتصاعد تجاه إسبانيا، حيث عبرت بشكل واضح عن عدم رضاها عن الموقف الإسباني بل اعتبرته «انقلابا».

الغضب الجزائري تجاه إسبانيا من موقفها الجديد دفعها في أقل من 24 ساعة من إعلانه إلى استدعاء سفيرها لدى مدريد للتشاور على خلفية هذا الموقف، وهو الأمر الذي بدا واضحا أنه سيدخل البلدين في أزمة دبلوماسية كانت مستحكمة بين الرباط ومدريد في الأشهر الماضية، قبل أن تنقلب الآية.

ولم يهدأ قصر المرادية منذ إعلان مدريد موقفها الجديد من الصحراء المغربية، حيث تطلب الأمر ترتيب خرجة إعلامية للرئيس عبد المجيد تبون، أطلق فيها العنان للسانه ليرد على مدريد ويعتبر موقفها الجديد «غير مقبول أخلاقيا ولا تاريخيا، لكون القضية تعتبر تصفية استعمار»، قبل أن يطالبها بمراجعة موقفها ويؤكد أن بلاده «لن تتخلى عن القضية الصحراوية مهما حدث»، وذلك في محاولة للتأثير على إسبانيا.

غير أن رد إسبانيا على مطالب تبون ومربع الحكم في الجزائر، لم يتأخر كثيرا، حيث نقل عن وزير خارجيتها خوسي مانويل ألباريس، بأن موقف بلاده «سيادي» وأن مدريد لا تريد الدخول في «نقاش عقيم»، ما ساهم في إشعال حرب ردود متبادلة بين البلدين بسبب هذا التغيير الكبير والحاسم في موقف المملكة الإسبانية من قضية الصحراء المغربية.

تصريحات رئيس الدبلوماسية الإسبانية ردت عليها الجزائر على لسان مبعوث وزارة الخارجية المكلف بالصحراء والمغرب العربي عمار بلاني، بوصفها بـ «المؤسفة وغير المقبولة»، مطالبة الوزير بتحمل تبعاتها في لهجة أقرب إلى التهديد من لغة الدبلوماسية.

الغاز يذكي نار الخلاف

التوتر الدبلوماسي الحاصل بين البلدين، خلال الأسابيع الأخيرة، ساهم في إذكاء ناره البريد الإلكتروني الذي وجهته تيريزا ريبيرا وزيرة الطاقة الإسبانية، إلى نظيرها الجزائري محمد عرقاب، تبلغه فيه بقرار بلادها القاضي بترخيص التدفق العكسي عبر أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي وأن الشروع في هذه العملية سيتم في غضون يومين، ما شكل صدمة جديدة للجزائر التي هددت بقطع إمدادات الغاز عن إسبانيا في حال ثبت تحوليها بشكل عكسي إلى المغرب.

مخاوف الجزائر من وصول غازها للمغرب عبر الأنبوب الأوروبي المغاربي بعدما كان هدفها الأساسي من توقيف استعمال الأنبوب هو حرمان المملكة من الحصة التي كانت تستفيد منها جراء عبور الأنبوب لترابها، ردت عليها إسبانيا بأن الغاز الذي سيصل إلى المغرب ليس مصدره الجزائر وإنما دول أخرى.

ورغم التطمينات الإسبانية، إلا أن الجزائر ظلت متوجسة من قيام إسبانيا بتحويل الغاز المستورد من الجزائر إلى المغرب، وواصلت عبر خرجات إعلامية مختلفة من طرف سفراء ومسؤولين سابقين في شركة صوناطراك التلويح بقطع الإمدادات عن مدريد في حال ثبوت أن كميات الغاز الذي يصل إلى المغرب مصدرها الجزائر.

الجزائر عبرت عن امتعاضها وحنقها اتجاه إسبانيا لسبب رئيسي يتعلق بموقف إسبانيا الجديد الداعم لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. يجب أن لا ننسى أن حزب جبهة التحرير الوطني في الجزائر، الذي ظل حزب الدولة هناك لعدة عقود ولا يزال ذا حظوة لدى السلطة، وصف الموقف الإسباني الجديد بـ»الخيانة التاريخية»، وهو مؤشر قوي على حجم الصدمة في صفوف النخب الجزائرية. ما حصل بعد ذلك في العلاقات بين البلدين، هو ارتدادات فقط بسبب الموقف التاريخي للإسبان من مقترح الحكم الذاتي في الصحراء، ومنه الجدل الذي حدث حول قرار التعاون بين إسبانيا والمغرب في ما يخص التدفق العكسي للغاز عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي. الجزائر تشعر بالخذلان من إسبانيا، وتحاول أن تربط الموقف الإسباني برئيس الحكومة، تماما كما فعلت اتجاه الموقف الأمريكي من مغربية الصحراء. وهي اليوم وحيدة ومعزولة في مواجهة الحق المغربي، وهذا قد يجعل منها مع مرور الوقت عامل عدم استقرار في منطقة شمال إفريقيا، كما يجعل من البوليساريو مشكلة جزائرية. هذا الوضع الناشئ سيجبرها على الاختيار بين أمرين: إما الجلوس إلى طاولة التفاوض للوصول إلى تسوية، أو تصعيد التوتر في المنطقة، وحينها ستدفع الثمن غاليا. أما العلاقات المغربية الإسبانية فقد دخلت مرحلة جديدة، والتدفق العكسي للغاز ما هو إلا لبنة في مسار هذه العلاقات، التي من المرجح أن تكون أفضل من السابق، في حالة التزمت إسبانيا بما جرى الاتفاق عليه، وأشار إليه بلاغ الديوان الملكي لـ18 مارس 2022، أي التزام الشفافية المطلقة والتواصل الدائم والاحترام المتبادل على أساس الصداقة والمصالح والمصير المشترك.

التزام إسبانيا بتوريد الغاز للمغرب جزء من التزاماتها بالانخراط في بناء وتعزيز الشراكة الاستراتيجية المعمقة مع المغرب. نحن أمام مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، وموافقة إسبانيا على استعمال الأنبوب المغاربي الأوربي لتوريد الغاز تأكيد منها على الانخراط في هذا المسار. ينبغي أن نفهم أن الموقف الإسباني ليس موقف حكومة أو حزب، بل خيار دولة، وهذا يعني أن إسبانيا قامت خلال فترة الأزمة مع المغرب بإجراء تقييمات وتفضيلات استراتيجية في سياستها المغاربية، انتهت بها إلى تفضيل التحالف مع المغرب على التحالف مع الجزائر، وبالتالي أن تقبل تحمل ما ينجم عن تلك التفضيلات من مواقف أو حتى خسائر سواء مع الجزائر أو غيرها، اقتناعا منها بأنها ستكسب مع المغرب أفضل مما ستكسبه مع الجزائر. نحن أمام خيارات وحسابات عقلانية للدولة الإسبانية بكل مؤسساتها، وليست مجرد قناعات رئيس حكومة أو نخبة محدودة، وهي خيارات استراتيجية مفكر فيها بعناية.

لحد الآن يستورد المغرب نحو 90 في المائة من حاجياته من الغاز الطبيعي، وينتج نحو 10 في المائة فقط في حقل الصويرة، علما أن قرار التحول إلى دولة صناعية يحتاج إلى تأمين استراتيجي لحاجيات البلاد من الطاقة، ومنها الغاز الطبيعي. المغرب، ومنذ سنوات، تبنى سياسة متنوعة في مجال الطاقة، ومنها سياسة التنقيب عن النفط والغاز، التي تتواصل بفضل الشراكات التي أبرمها المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، والمغاربة يتابعون الأخبار التي يكشف عنها المكتب وشركاؤه، من حين لآخر، بأمل كبير في الوصول إلى نتائج مرضية تنهي معاناة الميزانية العامة للدولة مع الفاتورة المرهقة في ميدان الطاقة. كل الشعوب تعلمت من الحرب الروسية على أوكرانيا أن السيادة الطاقية تشكل مطلبا ملحا لاستقرار وازدهار اقتصاديات الدول، كما أنها عنصر محدد في قياس القوة الإقليمية، لذلك فالمغرب مطالب بربح هذا الرهان، لكن مع الحرص على المضي في نفس السياسة الطاقية المعتمدة منذ سنوات، حتى لو تحول خلال العقد المقبل إلى دولة منتجة للغاز والنفط، أي تنويع مصادر الطاقة، لتلافي الأخطاء التي وقعت فيها الدول النفطية، أي رهن الاقتصاد بالنفط والغاز.

نحن نتابع ما يعلن عنه المكتب الوطني للهيدروكاربورات، فهو الجهة المختصة والمخولة بذلك. وبناء على المعطيات المعلن عنها لحد الآن، يمكن القول أننا أمام مؤشرات تبعث على الأمل في تحول بلادنا إلى دولة منتجة للنفط والغاز، لكن كل المعطيات تتعلق بالمرحلة الأولى من عمليات التنقيب والاكتشاف، كما يقول بذلك المختصون والخبراء في هذا المجال، وهي معطيات ترجح بشكل كبير وجود حقول للغاز في مناطق تندرارة والعرائش والغرب، كما ترجح وجود حقل مهم للنفط في إقليم إنزكان. ما يُلاحظ كذلك أن عمليات التنقيب تتركز في الأقاليم الشمالية للمغرب، ولا نسمع كثيرا عن التنقيب في الأقاليم الجنوبية، وهي أقاليم يرجح بشكل واسع أنها تحتوي على معادن نفيسة مثل الذهب، كما تحتوي على حقول للغاز والنفط، وأظن أن دعم الدول الكبرى للحكم الذاتي في الصحراء يشكل خطوة مهمة نحو استغلال مثل هذه الثروات في المنطقة، ولعل حاجة دول أوروبا إلى الغاز والنفط، بسبب الابتزاز الروسي، يشكل حافزا آخر للمضي سريعا في هذا الاتجاه. يبدو أن بلادنا تمضي في الاتجاه الصحيح، إن هي حافظت على حسن إدارتها للتوازنات الدولية المعقدة.

عن جسر بريس

شاهد أيضاً

حديث الميديا التعليم بالمغرب الى أين؟؟ 573 حالة غش

تعتبر مدينة الدار البيضاء و اكادير اكثر المدن التي عرفت حالات الغش وأعمال أخرى. حديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.