في لحظة سياسية لافتة، جاء قرار بوليفيا، الدولة اللاتينية ذات الثقل الرمزي في أمريكا الجنوبية، بتعليق أو سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، ليضع لبنة جديدة في مسار دولي يتجه، بثبات، نحو طيّ واحد من أطول النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية.
القرار لم يكن حدثاً عادياً في سياق عابر، بل يحمل في عمقه دلالات سياسية ورمزية قوية، خصوصاً أنه يتزامن مع استعداد الانفصاليين لإحياء الذكرى الخمسين لإعلان هذا الكيان في فبراير 1976، عقب اتفاقية مدريد الثلاثية التي وُقعت بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا سنة 1975. وكأن التاريخ يعيد ترتيب أوراقه، ولكن هذه المرة بوجهة مغايرة تماماً.
انحسار الحاضنة اللاتينية
لأكثر من أربعة عقود، شكلت بعض دول أمريكا اللاتينية فضاءً حيوياً للدعاية الانفصالية، خاصة في ظل تحالفات إيديولوجية ارتبطت بمرحلة الحرب الباردة وبشعارات “ثورة العالم الثالث”. وكانت بوليفيا من بين الدول التي وفّرت، في مراحل سابقة، دعماً سياسياً ملحوظاً، لاسيما خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن ما بين 2017 و2019، حين اعتُبر حضورها آنذاك مكسباً دبلوماسياً للانفصاليين، خصوصاً بعد مغادرة فنزويلا للمجلس.
اليوم، يتقلص هذا الحضور بشكل لافت. ففي أمريكا اللاتينية والوسطى، لم تعد سوى قلة من الدول تحافظ على علاقات رسمية مع الكيان المزعوم، من بينها:
وذلك من أصل 32 دولة في الفضاء الأمريكي اللاتيني، في مؤشر واضح على تآكل الحاضنة السياسية لهذا الطرح.
أبعاد أممية… وتداعيات داخل “اللجنة الرابعة”
تكمن أهمية الموقف البوليفي أيضاً في كون بوليفيا عضواً في لجنة الأمم المتحدة المعنية بتصفية الاستعمار، المعروفة بـ“اللجنة الرابعة” التابعة للجمعية العامة. وهي لجنة شكلت، تاريخياً، إحدى ساحات التحرك الدبلوماسي المناوئ للمغرب. ومن ثم، فإن أي تحول في مواقف أعضائها ينعكس، بالضرورة، على طبيعة التوازنات داخلها.
كما أن التحول في الموقف البوليفي قد يفتح الباب أمام مراجعات أخرى داخل الفضاء اللاتيني، خصوصاً في ظل تغيرات سياسية داخلية تشهدها بعض الدول، من بينها فنزويلا، التي تعيش تحولات متدرجة في مقاربتها الإقليمية والدولية، بعد عقود من التموقع ضمن الإرث البوليفاري المرتبط باسم سيمون بوليفار.
ميزان دولي يميل للحل
في المقابل، يتعزز الطرح المغربي على المستوى الدولي بشكل غير مسبوق. فقد حظي مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بدعم قوى دولية وازنة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى مواقف أوروبية متقدمة صدرت في بيانات رسمية داعمة لهذا التوجه. كما تحظى المبادرة المغربية بتأييد واسع داخل الفضاءين العربي والإفريقي، وبدعم غالبية أعضاء مجلس الأمن.
وفي الاتحاد الإفريقي، يشكل انتخاب المغرب عضواً في مجلس السلم والأمن القاري مؤشراً إضافياً على تحولات عميقة في موازين القرار داخل القارة، بما يعزز موقعه في دوائر صنع القرار الإفريقي.
مدريد… من اتفاق ثلاثي إلى مائدة حوار
وإذا كان إعلان الكيان الانفصالي سنة 1976 قد جاء في سياق ما أعقب اتفاقية مدريد الثلاثية، فإن المفارقة تكمن في أن العاصمة الإسبانية نفسها عادت لتكون محطة مفصلية في مسار التسوية، حين احتضنت جولات محادثات بين الأطراف المعنية، تحت إشراف الأمم المتحدة وبدفع دولي.
هنا تتجلى “مفارقة التاريخ”: من مدريد التي ارتبط اسمها، في الذاكرة الانفصالية، ببداية المسار، إلى مدريد التي ترمز اليوم إلى اقتراب نهاية مرحلة طويلة من الجمود السياسي.
بعد خمسين سنة من إعلان كيان ظل محل جدل دولي واسع، يبدو أن التحولات المتسارعة في المواقف الدولية، وآخرها الموقف البوليفي، تعيد رسم الخريطة السياسية للنزاع. وبين رمزية التوقيت، ودلالات المكان، واتجاه الرياح الدولية، يتكرس انطباع متنامٍ بأن عقارب الساعة تسير نحو محطة الحسم، وأن ما اعتُبر يوماً “مكسباً تاريخياً” للانفصال، بات اليوم عنواناً لتحول تاريخي معاكس.




