اعتبر الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نور الدين، أن الحرب الدائرة في أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي بين كييف وموسكو، بل تحولت إلى صراع دولي مركب تتداخل فيه رهانات الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية، مؤكداً أن فهم هذه الأزمة يمر عبر “سبعة مفاتيح أساسية” تكشف خلفياتها العميقة وتداعياتها العالمية.
وأوضح نور الدين، خلال مداخلة بعنوان “أوكرانيا ضحية حرب محلية بأبعاد عالمية” في ندوة نظمها حزب اليسار الاشتراكي الموحد، أن أحد أبرز مفاتيح فهم الأزمة يعود إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونخ للأمن 2007، والذي اعتُبر لحظة قطيعة مع مرحلة التقارب التي شهدتها العلاقات بين روسيا والغرب.
وأشار إلى أن ذلك الخطاب جاء بعد فترة كانت موسكو خلالها تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع المؤسسات الغربية، بل وصلت إلى حد المشاركة بصفة مراقب في حلف شمال الأطلسي، قبل أن تتدهور العلاقات تدريجياً مع توسع الحلف شرقاً.
جذور تاريخية للصراع
ويرى الخبير المغربي أن للتاريخ دوراً محورياً في تفسير حساسية الملف الأوكراني بالنسبة لروسيا. فبحسب تحليله، فإن أوكرانيا في شكلها السياسي الحالي تشكلت خلال مرحلة الاتحاد السوفياتي، حيث رُسمت حدودها الإدارية آنذاك، فيما أُضيفت إليها شبه جزيرة القرم خلال خمسينيات القرن الماضي في عهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف.
وأوضح أن ضم القرم لاحقاً من طرف روسيا لم يكن مجرد قرار عسكري، بل يرتبط أيضاً بحسابات استراتيجية، نظراً لوجود قاعدة بحرية روسية رئيسية في مدينة سيفاستوبول المطلة على البحر الأسود، والتي تُعد مركزاً أساسياً للأسطول الروسي في المياه الدافئة.
وبحسب نور الدين، فإن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في مسار التصعيد، معتبراً أن واشنطن دفعت تدريجياً نحو توسيع نفوذ حلف شمال الأطلسي شرقاً، وهو ما اعتبرته موسكو تهديداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي.
وأضاف أن هذه الحرب حققت في المقابل عدة أهداف جيوسياسية للولايات المتحدة، من بينها إعادة إحياء دور الحلف الأطلسي، ورفع مساهمات الدول الأوروبية في ميزانيته الدفاعية، فضلاً عن إعادة ترسيخ القيادة الأمريكية داخل المنظومة الغربية.
معركة الطاقة في قلب الأزمة
وأبرز نور الدين أن ملف الطاقة يشكل أحد أهم أبعاد الصراع، مذكّراً بأن روسيا كانت قبل اندلاع الحرب سنة 2022 تزود أوروبا بنحو 40 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وأشار إلى أن خطوط أنابيب الغاز، مثل مشروع نورد ستريم، كانت جزءاً من استراتيجية موسكو لتعزيز نفوذها الطاقي داخل أوروبا، غير أن الحرب أدت إلى تراجع هذا الدور بشكل كبير، حيث عوضت الولايات المتحدة جزءاً مهماً من الغاز الروسي عبر صادرات الغاز الطبيعي المسال.
ولفت الخبير إلى أن أوكرانيا تحتل موقعاً استراتيجياً أيضاً في مشاريع النقل والتجارة العالمية، خاصة مشروع مبادرة الحزام والطريق الذي أطلقته الصين، إذ تشكل الأراضي الأوكرانية عقدة مهمة لخطوط السكك الحديدية التي تربط آسيا بأوروبا.
ويرى أن اندلاع الحرب أدى إلى تعطيل هذا المسار، ما يشكل ضربة غير مباشرة للمشروع الصيني الرامي إلى توسيع نفوذ بكين التجاري في القارة الأوروبية.
ومن بين العوامل التي تزيد أهمية أوكرانيا في الصراع الدولي، يشير نور الدين إلى امتلاكها احتياطيات مهمة من المعادن النادرة، التي تشكل عنصراً أساسياً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة وصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.
وأوضح أن هذه الموارد أصبحت جزءاً من التنافس العالمي على الصناعات المستقبلية، وهو ما يفسر اهتمام القوى الكبرى بها، خاصة في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي.
تداعيات مباشرة على المغرب وإفريقيا
وعلى مستوى الانعكاسات الإقليمية، أكد نور الدين أن الحرب تركت آثاراً واضحة على الأمن الغذائي، خصوصاً أن روسيا وأوكرانيا كانتا تزودان إفريقيا بما بين 30 و40 في المائة من وارداتها من القمح.
وأضاف أن المغرب بدوره يعتمد جزئياً على القمح القادم من هذين البلدين، وهو ما يطرح تحديات على مستوى تأمين الإمدادات الغذائية، رغم وجود بدائل محتملة في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، أشار إلى أن المغرب استفاد نسبياً من انخفاض أسعار النفط الروسي نتيجة العقوبات الغربية، حيث أصبح من بين الدول التي تستورد النفط الروسي بأسعار أقل من الأسعار العالمية.
وختم نور الدين تحليله بالتأكيد على أن الحرب في أوكرانيا تمثل محطة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الدولي، مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين على قيادة الاقتصاد العالمي.
وأوضح أن واشنطن تسعى، عبر سلسلة من التحركات الجيوسياسية والاقتصادية، إلى إبطاء صعود الصين والحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي خلال العقود المقبلة، معتبراً أن ما يجري اليوم يعكس بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ العالمي.





