عز الدين السريفي
في المشهد السياسي المحلي بمدينة تيفلت، يبرز اسم محمد الخاميس الإدريسي كأحد الوجوه التي تمزج بين الفعل السياسي والبعد الثقافي، في تجربة تعكس تحولات عميقة في طبيعة المعارضة داخل الجماعات الترابية. فالرجل لا يُصنّف فقط كمعارض تقليدي، بل كفاعل يسعى إلى إضفاء بعد فكري ونقدي على الممارسة السياسية، في سياق محلي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نخب قادرة على الجمع بين الوعي الثقافي والالتزام السياسي.
معارضة بطابع فكري
ما يميز تجربة الإدريسي هو انخراطه في المعارضة من موقع “المثقف”، حيث لا تقتصر مداخلاته على انتقاد التدبير اليومي، بل تمتد إلى طرح أسئلة جوهرية حول الحكامة المحلية، والعدالة المجالية، وأدوار المنتخب في تأطير المواطنين. هذا الطرح يمنحه نوعاً من التميز داخل مجلس جماعة تيفلت، حيث يغلب في كثير من الأحيان الخطاب السياسي المباشر أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
فالمعارضة التي يمثلها الإدريسي تسعى إلى الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاقتراحي، عبر تقديم بدائل وبرامج قابلة للنقاش، وهو ما يعكس وعياً بأهمية ترسيخ ثقافة ديمقراطية محلية قائمة على التوازن بين السلطة والمعارضة.
انتماء حزبي وسياق تاريخي
ينتمي الإدريسي إلى حزب الاستقلال، أحد أعرق الأحزاب السياسية في المغرب، والذي ارتبط اسمه بالحركة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال. ويمنح هذا الانتماء بعداً إضافياً لتجربته، حيث يستند إلى مرجعية سياسية وفكرية قائمة على الدفاع عن المؤسسات، وترسيخ العدالة الاجتماعية، والحفاظ على التوازن بين الأصالة والتحديث.
داخل هذا الإطار، يمكن قراءة مواقف الإدريسي كامتداد لخطاب الحزب الذي يراهن على تقوية دور المنتخب المحلي، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المغرب في مجال الجهوية المتقدمة.
بين النقد والمساءلة
يُعرف الإدريسي بمواقفه الصريحة تجاه عدد من القضايا المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، خاصة ما يتعلق بالبنيات التحتية، والخدمات الأساسية، وبرامج التنمية. ويعتمد في ذلك على خطاب نقدي يسعى إلى مساءلة الأغلبية المسيرة، دون السقوط – في الغالب – في الشعبوية أو المزايدات السياسية.
غير أن هذا النهج يضعه أحياناً في مواجهة مباشرة مع مكونات المجلس، في ظل حساسية العلاقة بين المعارضة والأغلبية داخل الجماعات الترابية، خصوصاً في المدن المتوسطة التي تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاجتماعية.
تحديات العمل المعارض محلياً
رغم هذا الحضور، يواجه الإدريسي تحديات حقيقية، أبرزها محدودية أدوات المعارضة داخل المجالس الجماعية، وضعف التفاعل مع المبادرات النقدية، إضافة إلى إكراهات مرتبطة بثقافة سياسية لم تستوعب بعد بشكل كامل دور المعارضة كقوة اقتراحية.
كما أن الرهان الأكبر يظل في القدرة على تحويل الخطاب الثقافي إلى تأثير فعلي في السياسات العمومية المحلية، وهو أمر يتطلب بناء تحالفات، وتعزيز التواصل مع المجتمع المدني، والانفتاح على المواطنين.
نحو نموذج جديد للمعارضة
تجربة محمد الخاميس الإدريسي تطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل المعارضة في المغرب على المستوى المحلي: هل يمكن للمثقف أن يلعب دوراً محورياً في تجديد العمل السياسي؟ وهل تستطيع الجماعات الترابية احتضان نقاش عمومي حقيقي يتجاوز منطق التدبير اليومي إلى التفكير الاستراتيجي؟
في هذا السياق، يبدو أن الإدريسي يمثل محاولة لبناء نموذج مختلف، يقوم على الربط بين الفكر والممارسة، وبين النقد والمسؤولية، وهو ما قد يشكل – في حال تطوره – إضافة نوعية للمشهد السياسي المحلي بتيفلت.
يبقى حضور محمد الخاميس الإدريسي داخل جماعة تيفلت، في ارتباطه بمرجعية حزب الاستقلال، مؤشراً على حيوية معينة داخل المعارضة، وعلى إمكانية بروز نخب جديدة تسعى إلى إعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للنقاش والتفكير، لا فقط كآلية لتدبير المصالح. وبين طموح التغيير وواقع الإكراهات، تستمر هذه التجربة في اختبار قدرتها على إحداث الأثر داخل المجال المحلي.





