في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام، انشغل الإعلام الجزائري منذ الثلاثاء بقرار لجنة الاستئناف التابعة لـالاتحاد الإفريقي لكرة القدم القاضي بسحب لقب بطل إفريقيا من السنغال ومنحه للمغرب، رغم أن القضية، من حيث الأصل والسياق، لا تمس الجزائر لا من قريب ولا من بعيد، ولا ترتبط بأي مصلحة رياضية مباشرة لها.
القرار، الذي يهم مباراة نهائية ضمن منافسات قارية، لم تكن الجزائر طرفًا فيها، تحوّل بسرعة داخل عدد من المنابر الإعلامية الجزائرية إلى قضية رأي عام، بل إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب سياسي مألوف، يقوم على اتهامات جاهزة من قبيل “الفساد” و“التدخلات”، دون تقديم أدلة ملموسة أو الاستناد إلى معطيات رسمية صادرة عن الهيئات المختصة.
هذا التناول الإعلامي، الذي اتسم بحدة غير معتادة، يكشف عن نزعة متنامية نحو تسييس كل ما هو رياضي، وتحويل نتائج المباريات وقرارات الهيئات الكروية إلى أدوات للصراع الرمزي، في سياق إقليمي مشحون سلفًا. فبدل اعتماد التحليل المهني المتوازن، فضّلت بعض الأصوات الإعلامية اللجوء إلى خطاب تعبوي، يستهلك لغة الاتهام ويغيب عنه منطق التحقق والتدقيق.
ولم تقف حدود التصعيد عند هذا المستوى، إذ ذهب بعض ضيوف البرامج التلفزيونية إلى حد إطلاق دعوات صريحة لانسحاب الجزائر من “الكاف”، في رد فعل يبدو غير متناسب إطلاقًا مع طبيعة القرار، الذي لا يمسها مؤسساتيًا أو تنافسيًا. وهي دعوات تعكس، في جوهرها، حالة من التوتر الإعلامي أكثر مما تعكس موقفًا عقلانيًا مبنيًا على حسابات رياضية أو دبلوماسية.
اللافت أيضًا أن هذا التفاعل تجاوز الإعلام ليصل إلى مستويات رسمية، حيث نشر وزير الاتصال الجزائري زهير بوعمامة تدوينة على موقع Facebook وصف فيها القرار بـ“فضيحة مدوية غير مسبوقة”، داعيًا إلى “تطهير” الاتحاد من الفساد، قبل أن يقوم بحذفها لاحقًا، في خطوة تعكس ارتباكًا واضحًا في الموقف الرسمي، وربما إدراكًا متأخرًا لخطورة الانخراط في خطاب تصعيدي غير مؤسس على معطيات دقيقة.
ما يثير الجدل في هذه الواقعة ليس القرار الرياضي في حد ذاته، بقدر ما هو الطريقة التي تم بها توظيفه إعلاميًا وسياسيًا. إذ يبدو أن جزءًا من الإعلام الجزائري اختار مجددًا مقاربة تقوم على تضخيم الأحداث الخارجية وربطها بسياقات داخلية، بدل التعامل معها ضمن حدودها الطبيعية كقضايا رياضية بحتة.
في المحصلة، تطرح هذه الواقعة سؤالًا أعمق حول العلاقة المتشابكة بين الإعلام والسياسة والرياضة في المنطقة: هل نحن أمام إعلام يعكس الواقع، أم يصنعه وفق أجندات مسبقة؟ والأهم، إلى أي حد يمكن أن تتحول كرة القدم من لعبة شعبية جامعة إلى أداة لتغذية الانقسام وتوسيع فجوة التوتر؟





