عز الدين السريفي
بعد أن أحكم ضبط الجوانب التنظيمية والآلة الحزبية خلال الشهرين الأولين من توليه قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، بدأ محمد شوكي يكشف، أسبوعاً بعد آخر، عن ملامح تغيير هادئ داخل الحزب. تغيير يتم دون ضجيج، لكنه يحمل في طياته بصمة شخصية واضحة على مستوى الخطاب والمقاربة السياسية.
خلال نهاية الأسبوع الأخير، وفي مداخلته ضمن لقاء المرأة التجمعية، برز شوكي بأسلوب مختلف، حيث اختار الابتعاد عن النمط الكلاسيكي في تناول قضايا المرأة، مفضلاً مقاربة إنسانية مبتكرة تربط بين حصيلة العمل الحكومي والواقع المعيشي للنساء.
واعتمد المتحدث على تقديم أربع نماذج نسائية من محيطه القريب، من بينهن والدته، مستحضراً قصصاً واقعية أعطت للمداخلة بعداً إنسانياً سلساً، ونجحت في تحويل الأرقام والمؤشرات الجافة إلى حكايات نابضة بالحياة، تعكس أثر السياسات العمومية على المواطنين، وخاصة النساء.
هذا الأسلوب يعكس اهتماماً كبيراً لدى شوكي بفن التواصل، وحرصاً على شد انتباه المتلقي وإيصال الرسائل السياسية بطريقة مؤثرة. كما يُظهر استعداداً لكسر القوالب التقليدية للخطاب السياسي، والبحث عن صيغ جديدة أكثر قرباً من المواطن.
ولم يتوقف هذا التوجه عند حدود الشكل، بل امتد إلى مستوى اللغة والمفاهيم. ففي مداخلة سابقة بمدينة مراكش، قدم شوكي مفهوماً لافتاً تحت عنوان “ديمقراطية الإنجاز والإدماج”، وهو تعبير يحمل دلالات عميقة داخل المرجعية الديمقراطية الاجتماعية التي يقوم عليها الحزب.
ويقوم هذا المفهوم على ركيزتين أساسيتين:
أولاً، إدماج النساء والشباب في الحياة السياسية والمؤسساتية، إلى جانب تمكين الفئات الهشة من الاندماج في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
وثانياً، تعزيز فعالية الديمقراطية من خلال ربطها بالأثر الملموس على الحياة اليومية للمواطنين، بما يطرح سؤال الجدوى من الانتخابات والأحزاب والحكومات.
هذا الطرح يجد صداه في التوجيهات الملكية التي أكدت مراراً أن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
في المقابل، يبدو أن بعض القراءات التي اعتبرت الحزب مجرد فضاء مفتوح لاستقطاب المرشحين من مختلف الاتجاهات، خاصة بعد مغادرة عزيز أخنوش لرئاسة الحزب، لم تعد بنفس الوجاهة. فالمؤشرات الحالية توحي بأن القيادة الجديدة تعمل على إعادة ضبط الإيقاع الداخلي وترسيخ هوية سياسية أكثر تماسكاً.
أما الرهانات المرتبطة بسن رئيس الحزب وتجربته، فقد تتجاوزها دينامية الطموح والرغبة في إثبات الذات، وهي عوامل غالباً ما تصنع المفاجآت في الحقل السياسي.
يبعث محمد شوكي بإشارات واضحة مفادها أن الحزب مقبل على مرحلة جديدة، تتشكل ملامحها تدريجياً، وقد تحمل الكثير من المفاجآت مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.






