عز الدين السريفي
في لحظة مفصلية من تاريخ النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، جاء قرار جمهورية مالي بسحب اعترافها بما يُسمى “الجمهورية الصحراوية” ليشكل تحولاً نوعياً، ليس فقط في مواقف الدول الإفريقية، بل في عمق التوازنات الجيوسياسية بمنطقة الساحل والصحراء. خطوة وُصفت بـ“التاريخية”، تحمل في طياتها رسائل سياسية قوية، وتؤكد أن قطار الواقعية السياسية قد انطلق بسرعة، تاركاً خلفه أطروحات متجاوزة لم تعد تقنع أحداً.
هذا القرار، الذي حظي بترحيب رسمي من المملكة المغربية، يعكس دينامية متصاعدة يقودها محمد السادس، حيث تحولت قضية الصحراء من نزاع جامد إلى ورش دبلوماسي نشط يعيد تشكيل التحالفات ويكسب كل يوم دعماً دولياً متزايداً. وفي هذا السياق، عبّر وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة من قلب العاصمة باماكو عن تقدير المغرب العميق لهذا القرار، مؤكداً أنه يعكس وعياً متنامياً لدى الدول الإفريقية بضرورة تبني حلول واقعية ومستدامة.
الخطوة المالية لم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لعلاقات تاريخية عميقة بين الرباط وباماكو، علاقات نسجتها الروابط الإنسانية والتعاون متعدد الأبعاد، وعززتها زيارات ملكية استراتيجية وضعت أسس شراكة متجددة تقوم على الثقة والتضامن. واليوم، تترجم هذه العلاقة إلى مواقف سياسية سيادية تعكس استقلالية القرار المالي وتحرره من ضغوط الماضي.
في العمق، يكشف هذا التحول عن تراجع واضح في زخم الأطروحة الانفصالية، التي فقدت خلال العقود الأخيرة الكثير من بريقها، بعدما سحبت عشرات الدول اعترافها بها، في مقابل صعود قوي لمبادرة الحكم الذاتي التي باتت تحظى بدعم واسع داخل المنتظم الدولي، بما في ذلك قوى وازنة ومؤثرة. لم يعد الأمر مجرد توازن دبلوماسي، بل تحول إلى قناعة دولية بأن الحل الواقعي يمر عبر السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي كإطار جدي وذي مصداقية.
الرسالة التي تحملها باماكو اليوم تتجاوز حدودها الجغرافية، لتصل إلى كل من لا يزال يراهن على أطروحات الماضي: العالم يتغير، والتحالفات تعاد صياغتها، ومن لا يواكب هذه التحولات سيجد نفسه خارج معادلة المستقبل. فالدبلوماسية المغربية، التي تشتغل بهدوء وفعالية، أثبتت مرة أخرى قدرتها على كسب الرهانات الكبرى، مستندة إلى رؤية ملكية واضحة، وإلى شرعية تاريخية وقانونية راسخة.
إنه زمن الحسم… حيث تتساقط الاعترافات الوهمية تباعاً، وتُرسم معالم مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية، والسيادة الوطنية، والتنمية المشتركة. وقرار مالي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة انتصارات دبلوماسية تؤكد أن قضية الصحراء المغربية تدخل اليوم منعطفها الحاسم، بثقة وثبات، نحو طيّ نهائي لهذا النزاع المفتعل.










