في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي، زكّى حزب التجمع الوطني للأحرار الشاب طه الجماني لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بدائرة المحيط، في مؤشر واضح على استمرار الحزب في نهج سياسة تجديد النخب وضخ دماء جديدة في بنيته التمثيلية.
هذا الاختيار لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الحزبي في المغرب، حيث أضحى الرهان على الكفاءات الشابة أحد المحددات الأساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والفاعل السياسي. فترشيح الجماني، المنتمي إلى جيل جديد من الأطر، يعكس وعياً متزايداً داخل الحزب بضرورة القطع مع الصور النمطية المرتبطة بالنخب التقليدية، والتوجه نحو استقطاب طاقات قادرة على التفاعل مع انتظارات فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب.
ويكتسي هذا الترشيح بعداً رمزياً إضافياً، بالنظر إلى انتماء الجماني لعائلة سياسية، بصفته نجل سيدي غيثي الجماني، وهو ما يضعه أمام معادلة دقيقة تجمع بين إرث الانتماء العائلي ومتطلبات إثبات الذات في سياق سياسي متغير، لم يعد يعترف إلا بالكفاءة والقدرة على الإنجاز.
من جهة أخرى، تشكل التجربة المهنية التي راكمها المرشح في فرنسا عنصراً محورياً في هذا الاختيار، إذ باتت الخبرات الدولية معياراً متزايد الأهمية في تقييم النخب السياسية، لما توفره من انفتاح على نماذج تدبيرية حديثة، وقدرة على نقل الممارسات الفضلى إلى السياق المحلي. وهو ما ينسجم مع توجه الحزب نحو بناء عرض سياسي يرتكز على الفعالية والنجاعة، بدل الاكتفاء بالشعارات.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع يقودها محمد شوكي تروم إعادة هيكلة الحضور الترابي للحزب، عبر الدفع بوجوه جديدة تجمع بين القرب من المواطنين والتأهيل الأكاديمي والمهني. وهي مقاربة تعكس تحوّلاً في فلسفة العمل الحزبي، من منطق الزعامة التقليدية إلى منطق الفريق والكفاءة.
غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من إشارات إيجابية، يطرح في المقابل تحديات حقيقية، أبرزها مدى قدرة هذه النخب الجديدة على التأقلم مع تعقيدات العمل السياسي المحلي، وكسب ثقة الناخبين في بيئة انتخابية لا تزال تحكمها اعتبارات متعددة، من بينها شبكات النفوذ التقليدية وثقافة التصويت المرتبطة بالأشخاص أكثر من البرامج.
فتبدو تزكية طه الجماني أكثر من مجرد ترشيح انتخابي عادي؛ إنها تعبير عن دينامية داخلية يسعى من خلالها حزب التجمع الوطني للأحرار إلى إعادة تموقعه في المشهد السياسي، عبر الاستثمار في الرأسمال البشري الشاب. ويبقى الرهان الحقيقي هو ترجمة هذا الاختيار إلى قيمة مضافة على أرض الواقع، بما يعزز مصداقية الخطاب السياسي ويعيد الاعتبار لفكرة النجاعة في تدبير الشأن العام.










