عز الدين السريفي
يشهد المشهد السياسي بالمملكة المغربية، خلال هذه المرحلة الدقيقة، دينامية متسارعة تتقاطع فيها رهانات الإصلاحين السياسي والاقتصادي مع تصاعد انتظارات اجتماعية ملحّة، في ظل موجة غلاء طالت مختلف المواد الأساسية وأثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر. وفي خضم هذه التحديات، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام اختبارات معقدة، فرضتها سياقات دولية مضطربة، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى اختلال سلاسل التوريد، ما انعكس بوضوح على السوق الوطنية.
في هذا السياق، برز اسم محمود عرشان، الرئيس المؤسس لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، كصوت سياسي أعاد تسليط الضوء على إشكالية الأسعار. فالرجل، الذي راكم تجربة طويلة داخل البرلمان والعمل الحزبي، اختار أن يوجّه، من داخل مجلس المستشارين، نداءً مباشراً إلى محمد السادس، داعياً إلى التدخل لضبط أسعار المواد الأساسية، ومقترحاً تحديد سقف لا يتجاوز 3 دراهم لكل من البطاطا والبصل والطماطم.
هذا الموقف، الذي وثّقته الجلسات الرسمية وبُث عبر وسائل الإعلام العمومية، لم يمر دون صدى، بل أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، ووجد تفاعلاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبره تعبيراً صريحاً عن نبض الشارع، ومن رأى فيه طرحاً سياسياً يحتاج إلى آليات واقعية للتنفيذ في ظل منطق السوق.
ويعكس تدخل عرشان، في عمقه، ملامح الخط السياسي لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، القائم على ما يمكن وصفه بـ“المساندة النقدية”، إذ يحرص الحزب على دعم استقرار المؤسسات، مع الحفاظ على مسافة نقدية تخوّله التعبير عن مواقف واضحة تجاه القضايا الاجتماعية. ورغم غياب لقاءات رسمية بين الحزب والحكومة خلال الولاية الحالية، فإن ذلك لم يمنع من تبني مواقف جريئة تعكس استقلالية القرار الحزبي.
من جهة أخرى، يعيد هذا النقاش طرح سؤال حدود تدخل الدولة في ضبط الأسعار، بين منطق السوق الحرة وضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل الظرفية الاقتصادية الراهنة. كما يبرز أهمية الأدوار الرقابية للمؤسسة التشريعية في نقل انشغالات المواطنين إلى صلب النقاش العمومي.
ويبدو أن توقيت هذا التصريح ليس معزولاً عن السياق السياسي العام، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تسعى عدة أحزاب إلى إعادة تموقعها وتعزيز حضورها عبر خطاب قريب من هموم المواطنين. وفي هذا الإطار، يشكل خطاب عرشان محاولة لالتقاط نبض الشارع وترجمته إلى مواقف سياسية واضحة.
بين ضغط الغلاء وتعقيدات الإصلاح، يظل هذا النوع من النقاش مؤشراً على حيوية الحياة السياسية بالمغرب، وعلى الحاجة المتزايدة إلى مقاربات مبتكرة توازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويستجيب لتطلعات المواطنين.










