برلمان الأرقام: بين وفرة التشريع وحدود الأثر في حياة المغاربة

جسر بريس27 أبريل 2026آخر تحديث :
برلمان الأرقام: بين وفرة التشريع وحدود الأثر في حياة المغاربة

عز الدين السريفي / جسر بريس

في قلب المشهد السياسي المغربي، يواصل البرلمان بغرفتيه، مجلس النواب المغربي ومجلس المستشارين، أداء أدواره الدستورية في التشريع والمراقبة. غير أن قراءة متأنية للمعطيات الرقمية تكشف مفارقة واضحة: نشاط مكثف من حيث الكم، مقابل تساؤلات متزايدة حول الأثر الفعلي على أرض الواقع.

إنتاج تشريعي مرتفع وهيمنة حكومية

تشير المعطيات المتداولة في التقارير البرلمانية إلى أن المؤسسة التشريعية صادقت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من 120 مشروع قانون، شملت مجالات اقتصادية واجتماعية حيوية. بالمقابل، تجاوز عدد مقترحات القوانين التي تقدم بها البرلمانيون 300 مقترح، غير أن نسبة قليلة منها فقط تمكنت من بلوغ مرحلة المناقشة أو المصادقة.

وتبرز الأرقام أن الحكومة تظل الفاعل الرئيسي في المبادرة التشريعية، بنسبة تفوق 70%، في حين لا تتجاوز مساهمة البرلمان ربع القوانين المصادق عليها. وهو ما يعيد طرح سؤال التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

مساءلة كثيفة… بفعالية محدودة

على مستوى مراقبة العمل الحكومي، يواصل البرلمانيون تفعيل آلية الأسئلة، حيث يتم تسجيل ما يقارب:
• 8000 سؤال كتابي سنوياً
• وأكثر من 4000 سؤال شفوي خلال الدورات البرلمانية

غير أن هذه الدينامية الكمية تصطدم بإشكاليات في التفاعل، إذ لا تتجاوز نسبة الأجوبة داخل الآجال القانونية 60%، مع تسجيل تأخر ملحوظ في عدد من القطاعات الحكومية، ما يقلص من فعالية هذه الأداة الرقابية.

إشكالية الحضور داخل الجلسات

رغم الأهمية التي تكتسيها الجلسات العامة، تكشف التقديرات أن معدل حضور البرلمانيين يدور في حدود 50%، وقد ينخفض في بعض الحالات إلى أقل من 30%، خاصة خلال مناقشة بعض مشاريع القوانين.

هذا المعطى يثير تساؤلات حول جودة النقاش التشريعي ومدى تمثيلية القرارات المتخذة داخل المؤسسة البرلمانية.

قوانين في انتظار التفعيل

لا تقف التحديات عند حدود التشريع، بل تمتد إلى مرحلة التنزيل. فحوالي 40% من القوانين المصادق عليها تحتاج إلى نصوص تنظيمية لتفعيلها، غير أن إصدار هذه النصوص يعرف في كثير من الأحيان تأخراً، ما يجعل عدداً من القوانين حبيسة الرفوف رغم أهميتها.

فجوة الثقة والأثر

أمام هذه المؤشرات، يجد المواطن نفسه أمام مفارقة: زخم تشريعي ونقاش سياسي متواصل، دون انعكاس ملموس بالقدر الكافي على جودة الخدمات أو الأوضاع الاجتماعية.

ويجمع متابعون على أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً بعدد القوانين أو الأسئلة البرلمانية، بل بمدى نجاعة السياسات العمومية وقدرة البرلمان على تتبع تنفيذها وربط المسؤولية بالمحاسبة.

نحو برلمان أكثر نجاعة

في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تعزيز دور البرلمان عبر:
• دعم المبادرة التشريعية للبرلمانيين
• تحسين آليات تتبع تنفيذ القوانين
• الرفع من الانضباط والحضور داخل الجلسات
• تعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين

تكشف لغة الأرقام أن البرلمان المغربي مؤسسة نشيطة على مستوى الإنتاج، لكنها مطالبة اليوم بالانتقال إلى مرحلة جديدة قوامها قياس الأثر وتحقيق النجاعة. فالتشريع، مهما كان غنياً، لا يكتسب قيمته إلا حين ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين ويعزز ثقتهم في المؤسسات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة