عز الدين السريفي
في سياق سياسي يتسم بقرب نهاية الولاية التشريعية، تكتسب تصريحات محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها دفاعاً عن حصيلة الحكومة، بل أيضاً بوصفها مؤشراً على ملامح الخطاب الانتخابي المبكر. فالتأكيد على أن الحصيلة “جد مشرفة” و”استثنائية في بعض الأمور” يعكس محاولة لتأطير النقاش العمومي ضمن زاوية الإنجاز، مقابل خطاب معارض يركز على الاختلالات.
تماسك الأغلبية: نقطة قوة أم خطاب سياسي؟
يشدد شوكي على تماسك الأغلبية الحكومية بقيادة عزيز أخنوش، معتبراً أن هذا العامل شكل استثناءً مقارنة بتجارب سابقة عرفت تصدعات داخلية. هذا الطرح يحمل بعدين:
الأول مؤسساتي، يرتبط فعلاً بغياب صراعات علنية حادة داخل مكونات الائتلاف؛
والثاني سياسي، يهدف إلى تسويق صورة “الانسجام” كعنصر نجاح.
غير أن هذا التماسك، وإن كان قائماً على مستوى الخطاب، لا يلغي وجود تباينات ضمنية في تدبير بعض الملفات، خاصة الاجتماعية منها، حيث تبرز أحياناً اختلافات في الأولويات بين مكونات الأغلبية، وإن لم تصل إلى حد الانقسام العلني.
الحصيلة كمنظومة سياسات لا كأرقام
من أبرز ما ركز عليه شوكي هو تقديم الحصيلة كـ”حزمة سياسات عمومية متكاملة”، بدل اختزالها في أرقام. هذا الطرح يتماشى مع التحول في الخطاب الحكومي نحو إبراز “الأثر” بدل “المؤشرات”.
في هذا الإطار، ترتكز الحصيلة على محورين أساسيين:
• السيادة الوطنية (الطاقية، المائية، الغذائية والاقتصادية)
• الدولة الاجتماعية (الحماية الاجتماعية، التغطية الصحية، الدعم المباشر)
وهي محاور تستلهم، حسب التصريحات، من التوجيهات الاستراتيجية لـمحمد السادس. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه الرؤية، بل في مدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية.
معضلة التشغيل: بين الأرقام والسياق
ملف التشغيل يظل النقطة الأكثر حساسية في تقييم أي حصيلة حكومية. وهنا يدافع شوكي عن أداء الحكومة بالتمييز بين فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي بسبب الجفاف، وخلق فرص عمل في القطاعات غير الفلاحية.
هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة تفسير أرقام المندوبية السامية للتخطيط، التي غالباً ما تُستخدم من طرف المعارضة لتأكيد ارتفاع البطالة.
لكن في المقابل، يطرح هذا التفسير إشكالين:
• هل يمكن فصل سوق الشغل إلى قطاعين مستقلين (فلاحي وغير فلاحي) في التقييم الشامل؟
• وهل وتيرة خلق 170 ألف منصب سنوياً كافية لاستيعاب الطلب المتزايد، خاصة في صفوف الشباب؟
المعطيات الصادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمديرية العامة للضرائب بشأن ارتفاع التصريحات تعزز فرضية وجود دينامية اقتصادية، لكنها لا تعكس بالضرورة جودة مناصب الشغل أو استدامتها.
برامج ظرفية أم حلول هيكلية؟
في تقييم برنامجي “أوراش” و”فرصة”، يقر شوكي بطابعهما الظرفي، خاصة في سياق جائحة كوفيد-19. هذا الإقرار يحمل قدراً من الواقعية، لكنه يطرح سؤالاً أعمق حول غياب حلول هيكلية طويلة الأمد لمعضلة البطالة.
فالبرامج المؤقتة، رغم أهميتها في امتصاص الصدمات، لا يمكن أن تعوض إصلاحات عميقة في:
• منظومة التعليم والتكوين
• ملاءمة سوق الشغل
• تحفيز الاستثمار المنتج
وهي نقاط اعترف بها شوكي نفسه ضمنياً.
بين الشجاعة السياسية والحسابات الانتخابية
اعتبر شوكي أن تقديم الحصيلة أمام البرلمان في وقت متقدم يعكس “شجاعة سياسية”. بالفعل، هذه الخطوة تعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنها في الآن ذاته تحمل بعداً سياسياً واضحاً، يتمثل في:
• ضبط إيقاع النقاش العمومي قبل الانتخابات
• تقديم رواية رسمية للحصيلة قبل اشتداد الحملة الانتخابية
استمرارية في التغيير… أم إعادة إنتاج الخطاب؟
يختتم شوكي حديثه بشعار “استمرارية في التغيير”، وهو تعبير يحمل مفارقة سياسية: الجمع بين الاستمرارية (الاستقرار) والتغيير (الإصلاح). هذا الشعار يعكس توجه الحزب إلى:
• الحفاظ على المكتسبات
• الاعتراف بوجود اختلالات
• السعي لتجديد الثقة الانتخابية
غير أن الرهان الحقيقي يبقى في قدرة هذا الخطاب على إقناع الناخب، الذي يقيم الحصيلة ليس فقط عبر المؤشرات الكبرى، بل من خلال أثرها المباشر على قدرته الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية.
تصريحات محمد شوكي تقدم سردية متماسكة لحصيلة حكومية ترتكز على الإنجاز والاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن وعي ضمني بوجود تحديات بنيوية. وبين خطاب “الاستثنائية” وواقع الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى الحكم النهائي بيد المواطن، الذي سيحسم في مدى تطابق الخطاب مع تجربته اليومية عند صناديق الاقتراع.










