عز الدين السريفي
روجت “البوليساريو الجزائرية”، ومعها الصحافة الجزائرية، بشكل واسع يوم أمس الأربعاء، لاستقبال وفد عن الجبهة بمقر وزارة الخارجية الروسية في موسكو، باعتباره يمثل “نقطة دبلوماسية” لطرحها في سياق مواجهة الدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية.
غير أن معطيات تؤكد أن الأمر جرى “تضخيمه” إعلاميا، ليبدو وكأنه يمثل “انتصارا دبلوماسيا” للطرح الانفصالي، في حين أن الأمر لا يخرج عن دائرة المواقف التقليدية الروسية، بل مع كثير من التحفظات المثيرة للانتباه هذه المرة.
المعطى الأول والأكثر أهمية، هو أن الاستقبال لم يكن من طرف وزير الخارجية الروسي أو نائبه، أو أي مسؤول سياسي في الحكومة الروسية، بل من طرف موظف إداري في السلك الدبلوماسي، وهو كيريل ميخائيلوفيتش لوغفينوف، وهو مديرا إدارة المنظمات الدولية منذ 2024.
هذا الأمر يرتبط بالمعطى الثاني، فالخارجية الروسية استقبلت وفد “البوليساريو” باعتباره يمثل الجبهة، لا ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية”، التي لا تعترف بها موسكو، أن النقاش معها جرى بوصفها منظمة، لذلك تولى موظف في الوزارة الاجتماع بعناصرها.
يُضاف إلى ذلك، أن الاستقبال جرى دون استخدام الأعلام، في إشارة سياسية واضحة إلى أن الأمر لا يتعلق بـ”علاقة دولة بدولة”، وهو ما تؤكده الصورة التي نشرتها “البوليساريو” ووسائل إعلام جزائرية، والتي، بالمناسبة، لم تُنشر في أيٍ من المنصات الرسمية للخارجية الروسية.
أما بخصوص مضمون اللقاء، فإنه لم يخرج عن الموقف الروسي المعتاد، الذي يصر على سياسة الحياد، مع استخدام مصطلحات دبلوماسية حذرة، في إطار الحفاظ على التوازن بين مصالح موسكو مع الجزائر من جهة، ومع الرباط من جهة ثانية.
وهكذا، نجد أن البيان الرسمي الذي نشرته وزارة الخارجية الروسية عبر موقعه الإلكتروني، دون تعميمه على منصات التواصل الاجتماعي، يقول إن مدير إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية الروسية كيريل ميخائيلوفيتش لوغفينوف، عقد لقاء مع وفد من جبهة “البوليساريو”، يقوده محمد بيسط، دون منح أي صفة لهذا الأخير، ويضيف “تركزت المحادثات بشكل أساسي على الوضع الحالي وآفاق تسوية النزاع في الصحراء الغربية”.
وأورد المنشور نفسه أنه “من الجانب الروسي، تم التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة من جميع الأطراف للوضع حول الصحراء الغربية”، لكن الأهم أنه ربط الأمر بأن يكون ذلك “على أساس قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذات الصلة، وفي إطار إجراءات تتماشى مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.
وضمنيا، لا يختلف المضمون “الحذر” لما جاء في البيان المقتضب للخارجية الروسية، عن المسار الحالي للملف، الذي يلقى ترحيبا من طرف المغرب، إذ يعتمد على القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2025، الذي امتنعت روسيا عن التصويت عليه، لكن تمخض عنه مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة.
هذا المسار التفاوضي ينطلق من مقترح الرباط القاضي بإعطاء أقاليم الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، بناء على النسخة المفصلة للمقترح المقدم سنة 2007، وبمشاركة الأطراف الأربعة، المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة “البوليساريو”، إلى جانب ستافان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية.










