عز الدين السريفي
في كل مرة يقترب فيها النقاش من ملفات حساسة تزعج النظام الجزائري وأذرعه الإعلامية، ينكشف حجم التوتر الحقيقي خلف الشعارات المرفوعة عن “حرية التعبير” و”الدفاع عن القضايا العادلة”. وما تتعرض له جريدة “جسر بريس” في الآونة الأخيرة من موجات هجوم وتعليقات منظمة، ليس سوى دليل جديد على أن الكلمة الحرة ما تزال قادرة على إرباك خصوم المغرب وإثارة غضبهم.
فمن يتابع حجم التعليقات العدائية القادمة من حسابات جزائرية، يلاحظ أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في الرأي أو نقاش عابر، بل تحول إلى حملات رقمية ممنهجة هدفها التشويش، الترهيب، ومحاولة إسكات كل صوت يقترب من الحقائق التي لا يريد البعض سماعها. وهذا بحد ذاته اعتراف غير مباشر بأن ما يُنشر يؤلمهم ويصيب أهدافه.
الهجوم المكثف على أي منصة إعلامية مغربية لا يحدث عبثاً. فعندما تصبح المقالات والتقارير والتحليلات قادرة على الوصول إلى الرأي العام وكشف تناقضات الخطاب المعادي للمغرب، يبدأ الرد عبر الجيوش الإلكترونية، وعبر التعليقات المستفزة، وعبر محاولات تحويل النقاش من مضمون القضايا إلى معارك عبثية هدفها إنهاك الصفحات وتشويه النقاش العام.
لكن وسط هذا المشهد، تبرز مفارقة مؤلمة: في الوقت الذي يتحرك فيه كثير من الجزائريين، بمختلف توجهاتهم، للدفاع عن خطاب دولتهم أو مهاجمة كل من يخالفه، يظهر في المقابل نوع من اللامبالاة لدى جزء من المغاربة تجاه المعارك الرقمية والإعلامية التي تستهدف صورة بلدهم ومؤسساته وكل من يدافع عن قضاياه الوطنية.
الأمر لا يتعلق بموقع “جسر بريس” وحده، بل بمشهد أوسع يهم عدداً كبيراً من الصفحات والمنابر والشخصيات المغربية التي تجد نفسها أحياناً في مواجهة حملات منظمة، بينما يكتفي كثيرون بالمشاهدة أو الصمت، وكأن الدفاع عن صورة الوطن مسؤولية فردية وليست واجباً جماعياً.
لقد أصبحت الحروب الحديثة تُخاض أيضاً بالكلمة والصورة والتأثير الرقمي، ولم يعد الإعلام مجرد نقل للأخبار، بل جبهة حقيقية تُستهدف فيها الدول والشعوب والروايات الوطنية. والمغرب، الذي يحقق نجاحات دبلوماسية وسياسية متتالية، بات هدفاً مباشراً لحملات إلكترونية تحاول التقليل من إنجازاته أو التشكيك في مواقفه.
ورغم ذلك، فإن استمرار هذه الهجمات يؤكد حقيقة واحدة: هناك من ينزعج فعلاً من الصوت المغربي حين يكون قوياً، واضحاً، ومؤثراً. فالصمت لا يُهاجم، أما الكلمة التي تصل وتؤثر وتكشف الحقائق، فهي التي تُستهدف دائماً.
ولهذا، فإن المرحلة تفرض وعياً جماعياً بأهمية الإعلام الوطني، وبضرورة التفاعل الإيجابي والدفاع الحضاري عن قضايا المغرب، ليس عبر السب والشتم، بل عبر الحضور، التوضيح، دعم المنابر الجادة، وعدم ترك الفضاء الرقمي مفتوحاً أمام الحملات المنظمة التي تستغل الفراغ أكثر مما تستغل القوة.










