أجمع خبراء وأكاديميون مغاربة على أن إصلاح منظومة التربية والتكوين بات يشكل الرهان الاستراتيجي الأبرز لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة بالمملكة، مؤكدين أن الجامعة المغربية مطالبة اليوم بالانتقال من مجرد فضاء لمنح الشهادات إلى مؤسسة منتجة للقيم والابتكار والكفاءات القادرة على مواكبة مهن المستقبل ومتطلبات الاقتصاد الحديث.
وجاءت هذه المواقف خلال لقاء نظمته شبكة الأساتذة الجامعيين والهيئة الوطنية لأطر التربية والتكوين التجمعيين، ضمن محطة “مسار المستقبل”، اليوم السبت بمدينة فاس، حيث شكلت المناسبة فضاءً للنقاش حول واقع وآفاق التعليم بالمغرب، والتحديات المرتبطة بتجويد المنظومة التربوية وربطها بحاجيات التنمية وسوق الشغل.
وفي هذا السياق، أكد محمد صديقي، رئيس شبكة الأساتذة الجامعيين، أن المرحلة الحالية تعرف دينامية حكومية غير مسبوقة في قطاعي التعليم المدرسي والتعليم العالي، مشيدا بالأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقتها الحكومة، والتي قال إنها تعكس انسجاما في الرؤية بين مختلف المتدخلين في القطاع.
وأوضح صديقي أن دعم المنظمات الموازية داخل الأحزاب السياسية يمثل رهانا استراتيجيا لتأهيل المنظومة التعليمية، مشددا على ضرورة التركيز على أولويات أساسية، من بينها تعزيز جودة التعليم، وتطوير المناهج، ودعم البحث العلمي، وربط الجامعة بسوق الشغل بشكل وثيق، داعيا الأكاديميين إلى الانخراط الفعلي في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بالتعليم.

من جانبه، اعتبر سفيان اعزوزن، رئيس الهيئة الوطنية لأطر التربية والتكوين التجمعيين، أن قطاع التربية والتكوين يشكل الركيزة الأساسية لبناء المجتمع المغربي وتأهيل الرأسمال البشري، مبرزا أن الإصلاح الحالي يستند إلى مرجعية ملكية واضحة جعلت من التعليم أولوية وطنية واستراتيجية.
وأشار اعزوزن إلى أن المقاربة الجديدة لإصلاح التعليم انتقلت من “منطق التصورات النظرية” إلى “منطق الأثر داخل القسم”، عبر التركيز على جودة التعلمات وتحسين المردودية التعليمية، مؤكدا أن الأستاذ يبقى محور أي إصلاح حقيقي للمدرسة العمومية. كما دعا إلى تقوية أدوار الهيئات الموازية داخل الأحزاب باعتبارها قوة اقتراحية وترافعية تسهم في تجويد السياسات العمومية.

وفي مداخلة ذات بعد تحليلي، شدد محمد كديرة، أستاذ باحث في السياسات التعليمية، على أن تقييم واقع التعليم لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام والإحصائيات، بل يجب النظر إليه باعتباره نسقا اجتماعيا متكاملا تتداخل فيه أدوار الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع.
وأوضح كديرة أن أي إصلاح حقيقي يظل رهينا بالإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بنوع المواطن الذي يراد تكوينه، والكفاءات المهنية المطلوبة، وطبيعة مدرسة المستقبل، محذرا من أن سرعة التحولات العالمية باتت تفوق وتيرة تطور الأنظمة التعليمية التقليدية، وهو ما يفرض اعتماد مقاربات جديدة أكثر ارتباطا بالواقع.
كما توقف المتحدث عند عدد من الإشكالات المجتمعية التي تؤثر على جودة التعليم، من قبيل الغش وضعف الانضباط وتراجع ثقافة المسؤولية داخل بعض المؤسسات التعليمية، مؤكدا أن التعليم لا يقاس فقط بعدد الشهادات المحصل عليها، بل بمدى أثره في الاقتصاد والمجتمع، داعيا إلى تكريس حكامة فعالة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي قراءة سوسيو-اقتصادية لواقع التعليم العالي، كشفت سعاد ولجي، أستاذة التعليم العالي وعضو شبكة الأساتذة الجامعيين التجمعيين، أن القطاع يعيش دينامية تشريعية جديدة بفضل القانون رقم 24.53، الذي يضع الطالب في صلب الإصلاح ويركز على رفع قابلية التشغيل وإعادة الاعتبار للأستاذ الباحث.
وأكدت ولجي أن هذا الورش الإصلاحي يأتي في ظل مؤشرات مقلقة للبطالة، حيث بلغت نسبة البطالة الوطنية 13 في المائة سنة 2023، بينما ارتفعت في صفوف الخريجين إلى 19.7 في المائة، ووصلت لدى الشباب إلى 35.8 في المائة، داعية إلى الإسراع بإخراج النصوص التنظيمية للقانون، وتوسيع التخصصات الرقمية، وتفعيل “مجالس الأمناء” ومدن الابتكار لتعزيز الحكامة الجامعية.
بدوره، دعا محمد الرهج، الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لجامعة الحسن الأول بسطات، إلى ضرورة تحويل البحث العلمي من مجرد إنتاج أكاديمي نظري إلى قوة إنتاجية مرتبطة بالمقاولات والاقتصاد الوطني، منتقدا ضعف التحفيزات الجبائية الموجهة للاستثمار في البحث العلمي.
واقترح الرهج اعتماد آلية “الائتمان الضريبي للبحث”، عبر منح تحفيزات تصل إلى 30 في المائة للمقاولات والجامعات المستثمرة في البحث والتطوير، معتبرا أن المغرب في حاجة إلى بناء “اقتصاد معرفة” حقيقي قائم على الابتكار والتكنولوجيا.
أما محمد شباظة، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، فقد شدد على البعد القيمي والأخلاقي للمدرسة والجامعة، معتبرا أنهما ليستا مجرد فضاءين لمنح الشهادات، بل مؤسستان لصناعة الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والانتماء.
واستحضر شباظة الإرث العلمي لجامعة القرويين بمدينة فاس باعتبارها منارة حضارية وتاريخية، مؤكدا أن نهضة الأمم تبقى رهينة بما تمتلكه من رصيد أخلاقي وفكري قادر على مواجهة التحولات والتحديات المعاصرة.










