عز الدين السريفي
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وتنظيمية تتجاوز الطابع التواصلي التقليدي، بعث رئيس حزب حزب التجمع الوطني للأحرار من مدينة فرانكفورت رسائل قوية بشأن موقع مغاربة العالم في المعادلة السياسية المقبلة، مؤكداً أن انتخابات 2026 ستكون محطة مفصلية تستوجب انخراطاً واسعاً للجالية المغربية بالخارج، ليس فقط باعتبارها خزّاناً انتخابياً، بل باعتبارها شريكاً استراتيجياً في صياغة مستقبل المغرب.
اللقاء التواصلي، الذي حضره أزيد من 700 مشارك من أفراد الجالية المغربية بألمانيا، كشف بوضوح أن حزب “الأحرار” يسعى إلى إعادة تموقعه داخل فضاء مغاربة العالم، عبر الانتقال من خطاب رمزي تجاه الجالية إلى مقاربة سياسية وتنظيمية أكثر وضوحاً، تقوم على إشراك الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج في النقاش العمومي وصناعة القرار الحزبي.
ويبدو أن الحزب، من خلال سلسلة “مسار المستقبل”، يحاول استباق النقاش السياسي المرتبط باستحقاقات 2026، عبر فتح قنوات تواصل مباشرة مع الجالية المغربية بأوروبا، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز المشاركة السياسية لمغاربة العالم وتمكينهم من ممارسة حقوقهم الدستورية بشكل أوسع وأكثر فعالية.
من “تحويلات مالية” إلى “قوة اقتراحية”
الرسالة الأبرز التي حملها خطاب رئيس الحزب تمثلت في التأكيد على أن مغاربة العالم لم يعودوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل أصبحوا قوة اقتراحية وكفاءات قادرة على المساهمة في بناء النموذج التنموي الجديد للمملكة.
هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكاً متزايداً لدى الفاعلين السياسيين بالمغرب لأهمية الرأسمال البشري الذي تمثله الجالية المغربية بالخارج، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، والحاجة إلى استقطاب الخبرات والكفاءات الدولية للمساهمة في الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب، سواء في مجالات الصناعة أو الاستثمار أو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وفي هذا السياق، حرص رئيس الحزب على إبراز تجربة “الجهة الرابعة” داخل هياكل الحزب، باعتبارها آلية تنظيمية تهدف إلى منح مغاربة العالم تمثيلية داخل القرار الحزبي، في محاولة لإقناع الجالية بأن حضورها داخل المشروع السياسي للحزب ليس حضوراً موسمياً مرتبطاً بالانتخابات فقط.
تعبئة انتخابية مبكرة
سياسياً، يمكن قراءة هذا اللقاء باعتباره بداية فعلية لحملة تعبئة انتخابية مبكرة تستهدف الجالية المغربية بالخارج، خاصة مع دعوة رئيس الحزب إلى التسجيل المكثف في اللوائح الانتخابية والمشاركة الواسعة في استحقاقات 2026.
ويعكس هذا التوجه وعياً متزايداً بثقل مغاربة العالم داخل المعادلة الانتخابية والسياسية، خصوصاً في ظل النقاش المتواصل حول آليات مشاركتهم السياسية وسبل تسهيل عملية التصويت من الخارج.
وفي هذا الإطار، شكل الإعلان عن العمل على اعتماد آليات التصويت بالوكالة عبر منصة إلكترونية إشارة مهمة إلى سعي الحزب لتقديم حلول عملية لتجاوز الإكراهات اللوجستية التي كانت تحد من مشاركة عدد كبير من أفراد الجالية في الاستحقاقات السابقة.
غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مدى جاهزية المنظومة الانتخابية المغربية لاستيعاب مشاركة رقمية أو شبه رقمية لمغاربة العالم، وحول الضمانات القانونية والتقنية المرتبطة بنزاهة وشفافية هذه العملية.
رهانات سياسية تتجاوز الانتخابات
اللقاء لم يكن مجرد مناسبة للحديث عن التصويت والانتخابات، بل حمل أيضاً أبعاداً سياسية مرتبطة بصورة المغرب بالخارج والدور الذي يمكن أن تلعبه الجالية في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية.
فدعوة مغاربة العالم إلى الانخراط في “الترافع” والدفاع عن صورة المغرب بالخارج، تعكس توجهاً متنامياً نحو توظيف القوة الناعمة للجالية المغربية في المعارك الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية التي يخوضها المغرب على المستوى الدولي.
كما أن التركيز على الحصيلة الحكومية والأوراش الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، من الحماية الاجتماعية إلى الاستثمار والصناعة والسياحة، يعكس رغبة الحزب في تسويق صورة “المغرب المتحول” أمام الجالية، وربطها بشكل مباشر بمشروعه السياسي وبرؤية الحكومة الحالية.
مغاربة العالم.. كتلة سياسية صاعدة
التحركات السياسية الأخيرة تجاه الجالية المغربية بالخارج تؤكد أن الأحزاب المغربية بدأت تدرك أن مغاربة العالم أصبحوا يشكلون كتلة سياسية ومجتمعية مؤثرة، ليس فقط بحكم عددهم، ولكن أيضاً بالنظر إلى حضورهم الاقتصادي والعلمي والدبلوماسي المتزايد.
ومن الواضح أن حزب التجمع الوطني للأحرار يسعى إلى التموضع مبكراً داخل هذا المجال، عبر خطاب يقوم على الشراكة والانفتاح واستقطاب الكفاءات، في أفق تحويل الجالية المغربية إلى فاعل مباشر في معركة 2026 وفي النقاش المرتبط بمغرب ما بعد الإصلاحات الكبرى.
وبين رهانات التعبئة الانتخابية، وتوسيع المشاركة السياسية، واستثمار كفاءات الخارج، يبدو أن لقاء فرانكفورت لم يكن مجرد محطة تواصلية عابرة، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن معركة المستقبل لن تُحسم فقط داخل المغرب، بل أيضاً داخل فضاءات الجالية المغربية المنتشرة عبر العالم.











