باريس والرباط تفتحان صفحة جديدة.. الصحراء ومعاهدة استراتيجية في صلب التحول التاريخي بين المغرب وفرنسا

جسر بريس20 مايو 2026آخر تحديث :
باريس والرباط تفتحان صفحة جديدة.. الصحراء ومعاهدة استراتيجية في صلب التحول التاريخي بين المغرب وفرنسا

في خطوة تعكس التحول العميق الذي تشهده العلاقات المغربية الفرنسية، حملت زيارة وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، Jean-Noël Barrot، إلى الرباط، الأربعاء، رسائل سياسية ودبلوماسية قوية تؤكد دخول البلدين مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز منطق تجاوز الخلافات الظرفية نحو صياغة تحالف طويل المدى قائم على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي.

وكشفت معطيات دبلوماسية متطابقة أن المباحثات التي جمعت الوزير الفرنسي بنظيره المغربي Nasser Bourita ركزت بشكل أساسي على ملف الصحراء المغربية، خاصة في ظل اقتراب جلسة أكتوبر المقبلة بمجلس الأمن الدولي، المرتبطة بمناقشة القرار السنوي الخاص بالنزاع الإقليمي ومستقبل بعثة “المينورسو”، في سياق دولي يشهد تحولات متسارعة في مواقف عدد من القوى الغربية تجاه القضية.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن الرباط وباريس تعملان خلال المرحلة الحالية على رفع مستوى التنسيق السياسي والدبلوماسي داخل أروقة الأمم المتحدة، خصوصا مع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، بهدف توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الوحيد الواقعي والجاد لإنهاء هذا النزاع المفتعل.

ويأتي هذا التحرك المشترك مدعوما بالتحول الرسمي الذي أعلنته فرنسا منذ رسالة الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron إلى الملك Mohammed VI سنة 2024، والتي أكد فيها بشكل واضح أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الأساس الجدي والوحيد للتوصل إلى حل سياسي دائم.

وتتزامن هذه الدينامية مع تطورات دولية لافتة، خاصة بعد الإدانات الأمريكية والغربية الأخيرة للهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، والتي تبنتها جبهة البوليساريو، وهو ما تعتبره الرباط مؤشرا على تغير تدريجي في نظرة المجتمع الدولي إلى طبيعة التهديدات الأمنية المرتبطة بالنزاع، خصوصا في ظل تصاعد المخاوف من ارتباطات محتملة بين الجماعات الانفصالية وشبكات تنشط بمنطقة الساحل.

وترى أوساط دبلوماسية أن انخراط باريس بشكل أكثر وضوحا في دعم الموقف المغربي يعكس إدراكا متزايدا داخل فرنسا بأن استقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل يرتبط بشكل مباشر بحسم قضية الصحراء وفق مقاربة تضمن الأمن الإقليمي وتحافظ على التوازنات الاستراتيجية للمتوسط وأوروبا.

وفي السياق ذاته، برز خلال الأشهر الأخيرة توجه جديد داخل بعض الدوائر السياسية الأمريكية يدفع نحو تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، استنادا إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بتنامي التوترات الإقليمية والهجمات الأخيرة التي استهدفت مناطق مدنية بالأقاليم الجنوبية، في مؤشر على تحول تدريجي في المقاربة الغربية لهذا الملف.

وعلى صعيد آخر، استحوذ التحضير للزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا على جزء مهم من مباحثات الجانبين، باعتبارها محطة مفصلية مرشحة لإطلاق مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، عبر الإعداد لتوقيع معاهدة استراتيجية غير مسبوقة بين الرباط وباريس.

وتفيد المعطيات المتوفرة بأن هذه المعاهدة الجديدة لن تقتصر على تطوير اتفاق “الشراكة الاستثنائية الوطيدة” الموقع سنة 2024، بل ستؤسس لإطار تعاقدي أكثر عمقا وشمولا، يهدف إلى بناء شراكة طويلة الأمد تشمل التعاون السياسي والأمني والدفاعي، إضافة إلى الاستثمار والطاقات المتجددة والبنيات التحتية والتحول الرقمي والتعاون الثقافي والعلمي.

كما تشير المصادر إلى أن الاتفاق المرتقب قد يكون أول معاهدة استراتيجية من هذا المستوى توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وأول اتفاق من هذا النوع يبرمه المغرب مع بلد أوروبي، بما يعكس حجم التحول الذي شهدته العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر والبرود الدبلوماسي.

ويرى متابعون أن زيارة الملك محمد السادس المرتقبة إلى باريس لن تحمل فقط رمزية سياسية مرتبطة بإغلاق صفحة الفتور بين البلدين، بل ستشكل لحظة تأسيسية لإعادة رسم معالم شراكة استراتيجية جديدة تراهن عليها الرباط وباريس لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المشتركة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة