المغرب يعيد رسم عقيدته الطاقية.. قانون جديد للغاز واستثمارات بـ120 مليار درهم تقود “التحول الكبير” نحو السيادة الطاقية

جسر بريس21 مايو 2026آخر تحديث :
المغرب يعيد رسم عقيدته الطاقية.. قانون جديد للغاز واستثمارات بـ120 مليار درهم تقود “التحول الكبير” نحو السيادة الطاقية

تسابق الحكومة الزمن لإخراج أول قانون شامل ينظم سوق الغاز الطبيعي بالمغرب، بالتوازي مع إطلاق واحدة من أضخم الخطط الاستثمارية في تاريخ القطاع الطاقي الوطني، بعدما عبأت ما يقارب 120 مليار درهم لرفع القدرة الكهربائية للمملكة إلى مستويات غير مسبوقة في أفق سنة 2030، في تحول استراتيجي يعكس انتقال المغرب من مرحلة تدبير الخصاص الطاقي إلى مرحلة إعادة بناء عقيدته الطاقية بالكامل، في عالم يعيش واحدة من أعنف الأزمات المرتبطة بالطاقة منذ عقود.

وبات ملف الطاقة اليوم في صلب التوازنات الجيوسياسية العالمية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من أزمات غاز خانقة في أوروبا، إلى جانب الارتفاع المتسارع في الطلب العالمي على الكهرباء بفعل توسع الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات العملاقة، والصناعات الثقيلة، والهيدروجين الأخضر. وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن المغرب اختار تسريع الانتقال من نموذج ظل لعقود قائما على التبعية الطاقية للخارج، إلى نموذج جديد يقوم على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج الوطني وبناء سوق أكثر مرونة وقدرة على الصمود.

وفي هذا السياق، كشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أن مشروع قانون تنظيم الغاز الطبيعي يوجد حاليا في مسار المصادقة لدى الأمانة العامة للحكومة، مؤكدة أن مختلف النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بهذا الورش ستستكمل قبل نهاية السنة الجارية، في مؤشر واضح على اقتراب المغرب، لأول مرة، من وضع إطار تشريعي متكامل لسوق الغاز الطبيعي، بعد سنوات طويلة ظل فيها القطاع يتحرك بمنطق التدبير الجزئي والمتفرق.

ويحمل هذا القانون المرتقب رهانات استراتيجية كبرى، باعتباره سيفتح الباب أمام إعادة تنظيم سلاسل استيراد الغاز ونقله وتخزينه وتوزيعه، كما سيحدد قواعد الاستثمار والولوج إلى السوق وأدوار الفاعلين العموميين والخواص، فضلا عن تمهيده الأرضية القانونية لمشاريع ضخمة يجري التحضير لها منذ سنوات، في مقدمتها البنية التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي المسال، ومحطات التخزين، وربط المناطق الصناعية بالشبكات الغازية، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين المغرب ونيجيريا، الذي تراهن عليه الرباط ليصبح أحد أهم الممرات الطاقية بالقارة الإفريقية نحو أوروبا.

ويأتي هذا التسريع الحكومي في لحظة دولية حساسة، بعدما تحول الغاز الطبيعي إلى أداة نفوذ استراتيجية تعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية وخريطة الإمدادات العالمية. وهو ما دفع عددا من الدول إلى مراجعة نماذجها الطاقية بشكل جذري، في وقت يحاول فيه المغرب استثمار موقعه الجغرافي كمحور يربط أوروبا بإفريقيا، إضافة إلى مؤهلاته الكبيرة في الطاقات المتجددة، للتحول إلى قطب إقليمي للطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الكربون.

وفي قلب هذا التحول، وضعت الحكومة مخططا كهربائيا ضخما يمتد بين سنتي 2022 و2030، رصدت له استثمارات تناهز 120 مليار درهم، بهدف إحداث قدرة إضافية تصل إلى 15 جيغاواط، من بينها أكثر من 12 جيغاواط من مصادر متجددة، في ما يشبه إعادة بناء شاملة للخريطة الكهربائية الوطنية.

وتكشف الأرقام الرسمية حجم التسارع غير المسبوق الذي يعرفه القطاع، إذ أوضحت الوزيرة أن المغرب تمكن، خلال الولاية الحكومية الحالية، من إنجاز قدرة إضافية بلغت 1733 ميغاواط من الطاقات المتجددة، لترتفع القدرة الكهربائية المركبة إلى 12.2 جيغاواط سنة 2025، فيما قفزت حصة الطاقات المتجددة من 37 في المائة سنة 2021 إلى 46 في المائة سنة 2025، بزيادة تسع نقاط كاملة خلال أربع سنوات فقط.

غير أن المؤشر الأبرز على التحول العميق الذي يعيشه القطاع يتمثل في الوتيرة القياسية لمنح التراخيص، إذ شهدت سنة 2023 وحدها الترخيص لـ66 مشروعا جديدا للطاقات المتجددة بقدرة تناهز 6 جيغاواط واستثمارات تتجاوز 55 مليار درهم، مقابل 23 ترخيصا فقط خلال عقد كامل بين 2011 و2021، ما يعني أن وتيرة المشاريع تسارعت بأكثر من ثماني مرات خلال السنوات الأخيرة.

أما الفصل الأول من سنة 2026، فقد عرف الترخيص لمشاريع جديدة تقارب قدرتها 3 جيغاواط باستثمارات تناهز 22 مليار درهم، وهو ما يعادل تقريبا ثلث القدرة المركبة الحالية للمملكة، في معطى يعكس دخول المغرب مرحلة يمكن وصفها بـ”التسريع الطاقي الكبير”، استعدادا لتحولات اقتصادية وصناعية كبرى خلال السنوات المقبلة.

وتؤكد مصادر مهنية مطلعة أن جزءا مهما من هذه الدينامية يرتبط أيضا بالضغط المتزايد الذي يفرضه المستثمرون الصناعيون الدوليون، خصوصا الأوروبيين، الذين باتوا يربطون استثماراتهم في المغرب بقدرة المملكة على توفير كهرباء خضراء مستقرة وبأسعار تنافسية، في ظل التشريعات البيئية الأوروبية الجديدة المتعلقة بالبصمة الكربونية للمنتجات الصناعية.

ولهذا السبب، تنظر الدولة إلى ملف الطاقة باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للسيادة الاقتصادية والصناعية للمملكة خلال العقود المقبلة، خاصة مع التوسع الكبير لمشاريع تحلية مياه البحر، وصعود الصناعات المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية، إضافة إلى الطلب المتزايد على مراكز البيانات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل معركة الطاقة بالنسبة للمغرب لم تعد مجرد قضية تزويد بالكهرباء، بل رهاناً استراتيجياً على موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي الجديد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة