عز الدين السريفي
في كل مرة يشتد فيها الضغط الاقتصادي والاجتماعي داخل الجزائر، يعود النظام إلى نفس الأسطوانة: الإعلان عن “مشروع عملاق” أو “استثمار تاريخي” يُفترض أنه سيقلب موازين الاقتصاد ويحوّل البلاد إلى قوة صناعية عالمية في ظرف وجيز. آخر فصول هذا المشهد كان ما رُوّج له إعلامياً حول “المستثمر الماليزي” الذي قُدِّم للرأي العام كمنقذ اقتصادي يحمل مليارات الدولارات وآلاف مناصب الشغل ومشاريع ضخمة في مجالات الطاقة والمعادن والصناعة الثقيلة.
الإعلام الرسمي الجزائري تعامل مع الحدث وكأنه بداية عصر اقتصادي جديد، وامتلأت الشاشات والتقارير بعبارات من قبيل “النهضة الصناعية” و”الاستثمار الاستراتيجي” و”التحول التاريخي”، في محاولة لإقناع الجزائريين بأن بلادهم على أبواب طفرة اقتصادية غير مسبوقة. غير أن هذا الحماس الإعلامي سرعان ما اصطدم بسؤال بسيط لكنه محرج: أين هو هذا المستثمر؟ وأين هي المشاريع التي تم الحديث عنها؟
ومع مرور الأيام، بدأ كثير من الجزائريين يعبّرون عن شكوكهم في الرواية الرسمية، خصوصاً في ظل غياب أي مؤشرات ملموسة على الأرض. فلا مصانع ظهرت، ولا أوراش انطلقت، ولا فرص شغل تحققت، بينما بقيت الصور البروتوكولية والبلاغات الرسمية هي العنوان الوحيد للقصة بأكملها.
ويرى منتقدو السلطة أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بات يعتمد بشكل متكرر على ما يصفونه بـ”اقتصاد الدعاية”، حيث تتحول الوعود الضخمة إلى وسيلة لتغطية الأزمات الداخلية المتفاقمة، من ارتفاع الأسعار والبطالة إلى تراجع القدرة الشرائية واستمرار طوابير المواد الأساسية التي أصبحت مشهداً مألوفاً في الحياة اليومية للجزائريين.
وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل “المستثمر الماليزي” إلى مادة ساخرة يتداولها الناشطون والمعلقون، حيث شبّه البعض هذه القصة بشعار “الجزائر القوة الضاربة” الذي يتكرر بكثرة في الخطابات الرسمية دون أن يلمس المواطن انعكاسه في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فكلما تفاقمت الأزمات، يظهر مشروع “أسطوري” جديد، ثم يختفي تدريجياً دون نتائج واضحة أو محاسبة سياسية أو إعلامية.
ويؤكد متابعون للشأن الجزائري أن الأزمة الحقيقية لم تعد فقط أزمة اقتصاد، بل أصبحت أزمة ثقة ومصداقية. فحين تتكرر الوعود العملاقة دون أثر ملموس، يفقد الخطاب الرسمي تأثيره تدريجياً، ويتحول إلى مادة للتندر داخل الشارع وحتى بين فئات كانت في السابق تتعامل مع هذه الإعلانات بكثير من التفاؤل.
وفي المقابل، يبدو أن المواطن الجزائري أصبح أكثر اهتماماً بالنتائج الواقعية بدل العناوين الدعائية. فالبحث عن سكن وفرص عمل وتحسين القدرة الشرائية وتأمين متطلبات الحياة اليومية، كلها قضايا تتقدم بالنسبة للشارع على البلاغات الرسمية المليئة بالأرقام والشعارات الكبيرة.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن “الاستثمارات الخارقة” وواقع اجتماعي يزداد صعوبة، يواصل الجزائريون طرح السؤال نفسه بسخرية متزايدة: هل “المستثمر الماليزي” مشروع اقتصادي حقيقي، أم مجرد عنوان إعلامي جديد في مسلسل الوعود التي تظهر بسرعة وتختفي بالسرعة نفسها؟










