عز الدين السريفي
في الوقت الذي تحاول فيه بعض الدوائر السياسية داخل فرنسا إعادة ترميم العلاقات مع الجزائر عبر بوابة التعاون الأمني والقضائي، يبدو أن النظام الجزائري يعيش حالة ارتباك غير مسبوقة بسبب التقارب المتسارع بين المغرب وفرنسا، وهو التقارب الذي تجاوز منذ أشهر حدود المجاملات الدبلوماسية التقليدية، ليتحول إلى شراكة استراتيجية واضحة المعالم، يتصدرها الدعم الفرنسي المتزايد لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
النقاش الذي بثته قناة “الشروق” الجزائرية ضمن برنامج “المفيد مع قادة بن عمار” كشف بوضوح حجم القلق الذي بات يسيطر على جزء من النخب السياسية والإعلامية الجزائرية، وهي تتابع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة. فبدل التركيز على مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، انشغل المتدخلون بشكل لافت بالمغرب، وبالتحركات الدبلوماسية التي تقودها الرباط لتعزيز شراكاتها مع القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها باريس.
ولم يعد خافيا أن التحول الفرنسي الأخير في ملف الصحراء شكل صدمة حقيقية داخل دوائر الحكم الجزائرية، خاصة بعدما انتقلت باريس من مرحلة “الحياد الدبلوماسي” إلى مرحلة الدعم الصريح للمبادرة المغربية باعتبارها الحل الوحيد الجاد والواقعي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء. هذا التحول لم يكن حدثا معزولا، بل جاء ضمن سياق دولي متسارع يشهد اتساع دائرة الدول الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، من واشنطن إلى مدريد ثم باريس.
وخلال النقاش التلفزيوني المذكور، بدا واضحا أن الإعلام الجزائري أصبح يتعامل مع أي تقارب مغربي فرنسي باعتباره تهديدا مباشرا للنظام نفسه، حيث طغى الحديث عن “التحالف المغربي الفرنسي” و”الاختراق الدبلوماسي المغربي” على كل المواضيع الأخرى، بما فيها ملفات التعاون الثنائي بين الجزائر وفرنسا. وهو ما يعكس حالة التوجس المتزايدة من نجاح المغرب في ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي موثوق على المستويين الإقليمي والدولي.
ويأتي هذا الارتباك الإعلامي والسياسي في سياق سلسلة من الانتكاسات الدبلوماسية التي تعرضت لها الجزائر خلال السنوات الأخيرة في ملف الصحراء المغربية، بالتزامن مع تراجع غير مسبوق لأطروحة الانفصال داخل المنتظم الدولي، مقابل تنامي القناعة الدولية بواقعية الطرح المغربي القائم على الحكم الذاتي.
كما تتزايد المخاوف داخل الجزائر بسبب التحولات المرتبطة بملف جبهة البوليساريو، خاصة مع تصاعد الأصوات داخل الولايات المتحدة وأوروبا المطالبة بإعادة النظر في طبيعة هذه الجبهة، في ظل تكرار التقارير التي تربط عناصر منها بشبكات التهريب والجماعات المسلحة الناشطة بمنطقة الساحل. وقد أعاد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة مؤخرا النقاش بقوة حول احتمال تصنيف البوليساريو تنظيما إرهابيا، بالنظر إلى استهداف مناطق مدنية وما يشكله ذلك من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تعيش مخيمات تندوف أوضاعا متوترة، وسط تقارير متواترة عن تنامي الاحتقان الاجتماعي وارتفاع حالات الفرار والانشقاقات، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية واستمرار احتجاز آلاف الصحراويين داخل المخيمات لعقود طويلة دون أي أفق سياسي واضح.
اللافت أيضا أن الخطاب الإعلامي الجزائري بات يعتمد بشكل متزايد على نظرية “المؤامرة المغربية الفرنسية” لتفسير العزلة الدبلوماسية التي تعيشها الجزائر في عدد من الملفات الإقليمية. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن التحولات الحالية ليست نتيجة تحالفات ظرفية، بل ثمرة عمل دبلوماسي مغربي طويل النفس، قائم على بناء شراكات استراتيجية متينة ترتكز على الأمن والاستثمار والاستقرار والتعاون الاقتصادي.
أما فرنسا، التي تدرك جيدا أهمية المغرب كقوة إقليمية صاعدة في إفريقيا وحوض المتوسط، فتبدو اليوم أكثر اقتناعا بأن الرباط تمثل شريكا مستقرا وموثوقا في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة والاستثمار، خاصة في ظل التوترات السياسية المتكررة التي تطبع علاقتها مع الجزائر.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الإعلام الجزائري انتقل من خطاب “القوة الإقليمية” إلى خطاب “الخوف من العزلة”، حيث باتت أغلب البرامج السياسية تخصص مساحة واسعة لمهاجمة أي تقارب مغربي فرنسي، وكأن نجاح المغرب الدبلوماسي تحول إلى هاجس يومي داخل دوائر السلطة والإعلام في الجزائر.
وفي النهاية، يتضح أن الأزمة الحقيقية ليست في باريس ولا في الرباط، بل في عجز النظام الجزائري عن مواكبة التحولات الجديدة التي تعرفها المنطقة. فبينما اختار المغرب منطق الانفتاح والشراكات وتعزيز حضوره الدولي، ما تزال الجزائر رهينة خطاب أيديولوجي متجاوز يقوم على صناعة الخصوم وتغذية التوترات، وهو ما يفسر حالة الغليان التي تعيشها وسائل إعلامها الرسمية وشبه الرسمية كلما حققت الدبلوماسية المغربية مكسبا جديدا على الساحة الدولية.










