يتجه المغرب نحو الاستحقاقات الأممية المقبلة المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وعلى رأسها اجتماعات اللجنة الرابعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وهو مدعوم بزخم دبلوماسي واسع يُعد الأقوى منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، في تحول يعكس تنامي القناعة الدولية بواقعية المقترح المغربي وقدرته على إنهاء واحد من أقدم النزاعات الإقليمية بالقارة الإفريقية.
وخلال الأشهر الأخيرة، رفعت الدبلوماسية المغربية بشكل ملحوظ من وتيرة تحركاتها السياسية عبر مختلف العواصم والفضاءات الدولية، بهدف تعزيز التأييد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما تُرجم إلى موجة دعم متواصلة من عدة دول تنتمي إلى قارات مختلفة، باتت ترى في المقترح المغربي الحل الأكثر جدية ومصداقية وقابلية للتطبيق لتسوية النزاع.
وفي ظرف أربعة أشهر فقط، أعلنت أكثر من 15 دولة دعمها الصريح أو المتجدد لمبادرة الحكم الذاتي، في مشهد دبلوماسي يعكس اتساع دائرة التأييد الدولي للمغرب قبل أسابيع من المواعيد الأممية الحاسمة الخاصة بالملف، سواء داخل اللجنة الرابعة أو خلال مداولات مجلس الأمن الدولي المرتقبة في أكتوبر المقبل.
وعلى المستوى الإفريقي، برز تحول واضح في مواقف عدد من الدول المؤثرة داخل القارة، من بينها مالي وبوركينا فاسو وكينيا وساوتومي وبرنسيب ومدغشقر، إلى جانب غينيا والكوت ديفوار وإفريقيا الوسطى، حيث أجمعت هذه الدول على دعم مقاربة المغرب القائمة على الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي للنزاع.
ويأتي هذا التحول الإفريقي في سياق تراجع متواصل لحضور الأطروحة الانفصالية داخل القارة، خاصة بعد قرار مالي سحب اعترافها بالبوليساريو، مقابل تنامي الحضور المغربي في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل عبر شراكات استراتيجية في مجالات الأمن والاستثمار والتنمية، ما عزز صورة الرباط كشريك موثوق وفاعل إقليمي أساسي.
أما على المستوى الأوروبي، فقد واصلت عدة عواصم تعزيز اصطفافها خلف المبادرة المغربية، سواء عبر مواقف رسمية جديدة أو من خلال تجديد دعمها السابق، ويتعلق الأمر بكل من فرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا، إضافة إلى المفوضية الأوروبية التي تؤكد باستمرار أهمية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب ودعم المسار الأممي القائم على الواقعية والتوافق.
ويُعتبر الموقف الفرنسي من أبرز التحولات السياسية التي شهدها الملف خلال السنتين الأخيرتين، بالنظر إلى الثقل السياسي والدبلوماسي الذي تتمتع به باريس داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن الدولي، فضلا عن الرسائل السياسية التي يحملها دعمها الصريح للحكم الذاتي بشأن مستقبل التعاطي الدولي مع النزاع.
وفي الأمريكيتين، حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على موقفها الداعم لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، وجددته بشكل واضح خلال الأسابيع الماضية، في وقت برزت فيه مواقف داعمة أخرى من دول مثل كندا وهايتي وكوستا ريكا وبنما والإكوادور، ما يعكس اتساع دائرة التأييد داخل الفضاء الأمريكي.
كما امتدت هذه الدينامية إلى القارة الآسيوية، حيث أشادت اليابان بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية واقعية للحل، مؤكدة دعمها للمسار الأممي، في وقت واصلت فيه دول الخليج العربي، وعلى رأسها البحرين، تجديد دعمها الثابت للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الجدي والواقعي للنزاع.
وتأتي هذه التحركات السياسية والدبلوماسية في توقيت بالغ الأهمية، قبل أسابيع قليلة من اجتماعات اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة، التي يُرتقب أن تناقش ملف الصحراء المغربية وسط معطيات تختلف بشكل واضح عن السنوات الماضية، في ظل اتساع دائرة الدول التي أصبحت تتعامل مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل العملي والنهائي للنزاع.
ويرى عدد من المتابعين أن استمرار إدراج ملف الصحراء ضمن قضايا اللجنة الرابعة الخاصة بتصفية الاستعمار أصبح يطرح مفارقة سياسية متزايدة، بالنظر إلى أن غالبية القوى الدولية المؤثرة باتت تنظر إلى النزاع باعتباره قضية سياسية تُعالج في إطار السيادة المغربية والحكم الذاتي، وليس كملف تقليدي لتصفية الاستعمار.
ومن المنتظر أن يدخل المغرب هذه المحطات الأممية مدعوما بهذا الزخم الدبلوماسي المتصاعد، وهو ما قد يمنحه تفوقا سياسيا واضحا داخل النقاشات الدولية، خصوصا مع تنامي الدعوات الدولية للانتقال من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة تنزيل الحل السياسي على أرض الواقع.
كما يُتوقع أن تستمر هذه الدينامية خلال الأشهر المقبلة، مع مواصلة الرباط تكثيف تحركاتها الدبلوماسية داخل إفريقيا وأوروبا ومختلف الفضاءات الجيوسياسية، بما قد يساهم في توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء وتعزيز الدعم لمبادرة الحكم الذاتي قبل موعد مجلس الأمن المقبل.
ويترقب مهتمون بملف الصحراء أن ينعكس هذا التحول الدولي بشكل مباشر على مداولات مجلس الأمن، خاصة بعد القرار الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي دعا الأطراف إلى التفاوض على أساس مبادرة الحكم الذاتي، حيث يُرجح أن تتجه المناقشات المقبلة نحو ممارسة ضغط أكبر للدفع باتجاه تنزيل المقترح المغربي كحل نهائي للنزاع، بدل الاكتفاء بإعادة التأكيد السنوي على استمرار العملية السياسية.










