عز الدين السريفي
في السياسة، لا شيء يكشف حجم التحولات مثل تبدّل الخطاب الرسمي للدول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا ظلت لعقود تُقدَّم باعتبارها “ثوابت مقدسة” لا تقبل المراجعة أو النقاش. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في الملف المفتعل حول الصحراء المغربية، بعدما بدأت الجزائر، تدريجياً، في التراجع عن شعاراتها التاريخية الكبيرة، والاحتماء بلغة دبلوماسية فضفاضة تعكس ارتباكاً سياسياً واضحاً أكثر مما تعكس موقفاً مبدئياً ثابتاً.
فالمفارقة التي تثير الانتباه، بل وتدعو إلى السخرية السياسية، تكمن في كون النظام الجزائري الذي قضى أزيد من نصف قرن وهو يطالب بـ”استقلال الصحراء” ويدافع بشراسة عن مشروع انفصالي، بات اليوم يتحدث عن “المفاوضات المباشرة” باعتبارها الحل الأمثل للنزاع. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يتعلق الأمر بصحوة واقعية متأخرة؟ أم أنه اعتراف ضمني بفشل المشروع الانفصالي وانسداد أفقه السياسي والدبلوماسي؟
منذ سنة 1975، سخّرت الجزائر إمكانيات مالية ودبلوماسية وإعلامية ضخمة لمعاكسة الوحدة الترابية للمغرب، تحت غطاء شعارات “حق تقرير المصير” و”تصفية الاستعمار”. مليارات الدولارات أُنفقت، وتحركات سياسية لا تنتهي خيضت في المحافل الدولية، فيما ظلت الدبلوماسية الجزائرية ترفض أي مقاربة لا تنتهي بإقامة كيان انفصالي فوق الأراضي المغربية.
غير أن السنوات الأخيرة حملت تحولات عميقة أربكت الحسابات الجزائرية، بعدما نجحت الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، في فرض واقع سياسي ودبلوماسي جديد، عنوانه الاعتراف المتزايد بمغربية الصحراء، والدعم الدولي الواسع لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الجاد والواقعي للنزاع.
وفي هذا السياق، جاءت الخرجة الأخيرة لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لتكشف حجم التناقض الذي تعيشه الجزائر في هذا الملف. فحين يرحب المسؤول الجزائري بالقرار الأممي 2797، ويتحدث فجأة عن ضرورة “المفاوضات المباشرة” بين المغرب والبوليساريو، فإنه عملياً يبتعد عن الخطاب التقليدي الذي ظل يروّج لفرض خيار الانفصال كحل وحيد.
الأكثر دلالة في هذا التحول أن القرارات الأممية الأخيرة لم تعد تتعامل مع الجزائر كمجرد “بلد مراقب” أو “طرف مهتم”، بل كطرف رئيسي في النزاع، وهو ما شكل ضربة قوية للرواية الجزائرية التي حاولت لعقود الاختباء خلف البوليساريو وتقديم نفسها كطرف “غير معني مباشرة”.
لقد فرضت الواقعية السياسية نفسها بقوة، وأصبح واضحاً أن المجتمع الدولي يتجه أكثر فأكثر نحو دعم حل سياسي عملي قائم على التوافق، بعيداً عن الطروحات المتجاوزة التي أثبتت فشلها على مدى عقود.
والخلاصة التي يصعب على النظام الجزائري إخفاؤها اليوم، هي أن سقف الشعارات الكبرى بدأ ينخفض بشكل لافت، بعدما اصطدم بجدار الحقائق السياسية والدبلوماسية الجديدة. فمغربية الصحراء لم تعد فقط قضية تاريخية أو قانونية بالنسبة للمغرب، بل تحولت إلى واقع دولي متجذر، تدعمه موازين القوى والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
إنها لحظة سياسية تكشف كيف يمكن للوقائع أن تُجبر حتى أكثر الخطابات تشدداً على تغيير لغتها، وكيف أن من قضى عقوداً يرفع شعار الانفصال، وجد نفسه مضطراً في النهاية إلى الاحتماء بعبارات دبلوماسية مطاطية، بعدما بدأت أوهام الماضي تتهاوى أمام منطق الواقع والتاريخ.










