خمسون عامًا على “الطرد التعسفي”.. مطالب حقوقية بإنصاف المغاربة المرحلين من الجزائر وكشف الحقيقة كاملة

جسر بريس29 مايو 2026آخر تحديث :
خمسون عامًا على “الطرد التعسفي”.. مطالب حقوقية بإنصاف المغاربة المرحلين من الجزائر وكشف الحقيقة كاملة

عز الدين السريفي

أحيت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب جمعية المغاربة ضحايا الطرد التعسفي من الجزائر، الذكرى الخمسين لعملية الترحيل الجماعي التي استهدفت عشرات الآلاف من المغاربة المقيمين بالجزائر سنة 1975، في واحدة من أكثر المحطات الإنسانية إيلامًا في تاريخ العلاقات المغاربية المعاصرة.

وفي بيان توصلت “جسر بريس” بنسخة منه، اعتبرت الهيئتان أن هذه المأساة، التي تزامنت مع عيد الأضحى المبارك آنذاك، شكلت “انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان”، بعدما تعرض آلاف المغاربة لاقتلاع قسري من أماكن استقرارهم، في ظروف وصفت بأنها افتقدت لأبسط الضمانات القانونية والإنسانية.

وأكد البيان أن عمليات الطرد الجماعي خلفت مآسي إنسانية عميقة ما تزال آثارها ممتدة إلى اليوم، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، مشيرًا إلى أن العديد من الأسر المغربية فقدت ممتلكاتها وأموالها ووثائقها الإدارية، فيما تعرضت عائلات أخرى للتفكك بسبب الفصل بين الأزواج والأقارب من جنسيات مختلفة.

وأضافت الهيئتان أن شهادات الضحايا والوثائق المتوفرة تفيد بوقوع حالات مصادرة لممتلكات وعقارات ومحلات تجارية ومزارع، إلى جانب حرمان المرحلين من استرجاع مقتنياتهم الخاصة، وهو ما تسبب في أضرار مادية جسيمة للمتضررين الذين وجدوا أنفسهم، بشكل مفاجئ، خارج أماكن إقامتهم دون أي إجراءات قضائية عادلة أو تعويضات منصفة.

ولم يقف البيان عند حدود التهجير القسري، بل أشار كذلك إلى ما وصفه بـ”حالات الاختطاف والاختفاء القسري” المرتبطة بتلك المرحلة، داعيًا إلى الكشف الكامل عن الحقيقة وتمكين الأسر من معرفة مصير ذويها، انسجامًا مع المبادئ الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.

وشددت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية المغاربة ضحايا الطرد التعسفي من الجزائر على أن القضية لا يمكن اختزالها في بعدها السياسي أو اعتبارها مجرد حدث من الماضي، بل هي “ملف حقوقي وإنساني مستمر” يرتبط بحقوق غير قابلة للتصرف، من بينها الحق في الكرامة والملكية والإنصاف وجبر الضرر.

وفي هذا السياق، طالبت الهيئتان بالاعتراف الرسمي بالمأساة الإنسانية التي تعرض لها المغاربة المرحلون سنة 1975، وفتح تحقيق تاريخي وحقوقي مستقل حول مختلف الانتهاكات المرتبطة بعمليات الطرد الجماعي، مع الكشف عن مصير المختفين وحصر الممتلكات المصادرة واتخاذ إجراءات لاسترجاعها أو التعويض عنها.

كما دعتا إلى إقرار آليات فعالة لجبر الضرر الفردي والجماعي، تشمل التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار للضحايا، إلى جانب تمكين المتضررين من الولوج إلى الوثائق والسجلات المتعلقة بأوضاعهم السابقة وحقوقهم القانونية.

وأكد البيان أن المطالبة بالحقيقة والإنصاف لا تستهدف تأجيج الخلافات بين الشعبين المغربي والجزائري، بل تنطلق من الحرص على تحقيق العدالة وصون الذاكرة الجماعية واحترام الكرامة الإنسانية، معتبرًا أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان أو تجاهل معاناة الضحايا.

وختمت الهيئتان بيانهما بالتأكيد على أن مرور خمسين سنة على هذه المأساة يشكل “لحظة حقوقية وأخلاقية” تستوجب إعادة فتح هذا الملف وفق مقاربة قائمة على مبادئ الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، مع دعوة الأمم المتحدة والآليات الدولية المختصة بحقوق الإنسان إلى التفاعل الجدي مع هذا الملف.

وتعود جذور هذه القضية إلى دجنبر سنة 1975، حين أقدمت السلطات الجزائرية، في سياق التوتر السياسي الذي أعقب تنظيم المغرب للمسيرة الخضراء واسترجاعه أقاليمه الجنوبية، على تنفيذ عمليات ترحيل جماعية استهدفت مواطنين مغاربة كانوا يقيمون منذ سنوات طويلة داخل التراب الجزائري، بعضهم ولد هناك وأسّس أسرًا ومشاريع تجارية ومهنية مستقرة.

ويروي عدد من الضحايا أن عمليات الترحيل تمت بشكل مفاجئ وسريع، حيث تم اقتياد عائلات بأكملها نحو الحدود المغربية في ظروف صعبة، دون منحها الوقت الكافي لتسوية أوضاعها أو حمل ممتلكاتها الشخصية. كما تحدثت شهادات متطابقة عن معاناة النساء والأطفال وكبار السن خلال تلك المرحلة، خصوصًا مع تزامنها مع مناسبة عيد الأضحى، الأمر الذي ضاعف من قسوة المشهد الإنساني.

ويرى متابعون أن هذا الملف ظل لعقود طويلة حاضرًا في الذاكرة الجماعية للمغاربة، رغم محدودية التناول الدولي له، بسبب تعقيداته السياسية والحقوقية. غير أن الجمعيات الحقوقية المغربية تعتبر أن مرور الزمن لا يسقط المطالب المرتبطة بالحقيقة والإنصاف، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتهاكات جماعية مست الحقوق الأساسية للأفراد والأسر.

وفي المقابل، يؤكد فاعلون حقوقيون أن إعادة طرح هذا الملف اليوم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة للتصعيد أو توتير العلاقات بين البلدين، بل باعتبارها خطوة ضرورية نحو معالجة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية في المنطقة المغاربية، وفق مقاربة قائمة على العدالة الانتقالية واحترام الكرامة الإنسانية.

كما يشدد حقوقيون على أن أي تقارب مستقبلي بين الشعوب المغاربية يظل رهينًا بفتح الملفات العالقة بشجاعة ومسؤولية، والاعتراف بمعاناة الضحايا، والعمل على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وعدم الإفلات من العقاب، بما يساهم في بناء ذاكرة مشتركة قائمة على الحقيقة والمصالحة.

ويأتي إحياء الذكرى الخمسين لهذه الأحداث في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الأوساط الحقوقية والمدنية إلى توثيق شهادات الضحايا وحفظ الأرشيف المرتبط بهذه المرحلة، تفاديًا لطمس الذاكرة الجماعية، ولتمكين الأجيال الجديدة من الاطلاع على واحدة من أبرز القضايا الإنسانية التي طبعت تاريخ المنطقة المغاربية خلال العقود.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة