تشهد الجزائر في الآونة الأخيرة تصاعدا لافتا في مؤشرات التوتر داخل هرم السلطة، وسط معطيات متزايدة تفيد بوجود صراع محتدم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية حول موازين القوة والتحكم في مفاصل الدولة. وفي قلب هذه التطورات، برزت قضية المدير العام السابق للأمن الوطني، فريد زين الدين بن الشيخ، التي تحولت من ملف قضائي وأمني إلى عنوان بارز لمعركة النفوذ الدائرة بين محيط الرئيس عبد المجيد تبون وقيادة الجيش بقيادة الفريق أول السعيد شنقريحة.
وتأتي هذه التطورات في سياق سلسلة من التغييرات والإقالات التي شهدتها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية خلال الأشهر الماضية، ما عزز فرضية وجود عملية إعادة تموضع واسعة داخل النظام الجزائري، تسعى من خلالها المؤسسة العسكرية إلى استعادة زمام المبادرة وإعادة ترسيخ نفوذها التقليدي داخل دوائر القرار الاستراتيجي.
ويعتبر فريد بن الشيخ من أبرز الشخصيات الأمنية التي ارتبط اسمها بمشروع إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الذي أطلقته الرئاسة الجزائرية بعد وصول عبد المجيد تبون إلى الحكم سنة 2019. فقد عُين سنة 2021 على رأس المديرية العامة للأمن الوطني، في مرحلة اتسمت بمحاولات تعزيز دور الرئاسة في تدبير الملفات الأمنية الحساسة وتقليص الهيمنة التقليدية للمؤسسة العسكرية على هذا المجال.
غير أن هذه التوجهات لم تمر دون إثارة تحفظات داخل دوائر نافذة في الجيش، خاصة بعدما ارتبط اسم بن الشيخ بالدعوات إلى إعادة توحيد أجهزة الاستخبارات وتوسيع صلاحيات المؤسسات المدنية في تدبير الشأن الأمني، وهي خيارات اعتُبرت داخل بعض الأوساط العسكرية مساسا بتوازنات قائمة منذ عقود.
وتشير معطيات متداولة في الأوساط السياسية الجزائرية إلى أن سقوط بن الشيخ لم يكن مرتبطا فقط بخياراته المهنية، بل أيضا بعلاقته الوثيقة بمدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز رجالات الثقة لدى الرئيس تبون وأكثرهم نفوذا داخل القصر الرئاسي.
وتفيد مصادر متقاطعة بأن تنامي نفوذ بوعلام بوعلام داخل أجهزة الدولة أثار انزعاج المؤسسة العسكرية، خصوصا مع تزايد الاتهامات الموجهة إليه بالتدخل في ملفات أمنية وقضائية تعتبر تقليديا من اختصاص الجيش وأجهزته.
وبعد إعفائه من منصبه سنة 2024، تم توقيف فريد بن الشيخ وإحالته على التحقيق أمام الجهات العسكرية المختصة، قبل أن تتحول محاكمته أمام المحكمة العسكرية بالبليدة إلى قضية سياسية بامتياز، بعدما أثيرت مخاوف من إمكانية كشف معطيات حساسة تتعلق بطريقة إدارة السلطة والعلاقات المعقدة بين الرئاسة والأجهزة الأمنية.
وتزداد حساسية الملف بسبب ما راج من معطيات تفيد بأن بن الشيخ أشار خلال التحقيقات إلى أنه كان ينفذ تعليمات صادرة عن الرئاسة عبر مدير الديوان بوعلام بوعلام، وهي روايات وإن ظلت غير مؤكدة رسميا، إلا أنها ساهمت في رفع منسوب التوتر داخل دوائر الحكم وأعطت القضية أبعادا تتجاوز الجانب القضائي الصرف.
وفي موازاة ذلك، أثار الغياب اللافت لمدير ديوان الرئاسة عن عدد من الأنشطة الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة موجة من التكهنات داخل الجزائر، حيث ربطت بعض الأوساط السياسية والإعلامية هذا الاختفاء بالتداعيات المحتملة لقضية فريد بن الشيخ، وباحتمال تعرض شخصيات مقربة من الرئيس لضغوط متزايدة من قبل المؤسسة العسكرية.
كما زاد الجدل الذي رافق نشر مرسوم رئاسي يقضي بإعفاء عدد من المستشارين بالرئاسة، قبل أن يتم نفيه لاحقا رغم صدوره في الجريدة الرسمية، من تعميق الشكوك حول وجود حالة ارتباك غير مسبوقة داخل مؤسسات الدولة، وكشف عن تعدد مراكز القرار وتضارب المصالح داخل السلطة.
ويعود جزء من جذور الأزمة الحالية إلى الخلاف الذي تفجر أواخر سنة 2025 بين الرئيس تبون ورئيس الأركان السعيد شنقريحة بشأن مشروع تعديل دستوري أثار جدلا واسعا داخل البلاد. وقد بلغ التوتر آنذاك مستوى غير مسبوق بعد غياب شنقريحة عن اجتماع رسمي خصص لمناقشة المشروع، في خطوة اعتُبرت رسالة سياسية قوية تعكس حجم الخلاف القائم بين الطرفين.
ورغم نجاح وساطات داخلية في احتواء الأزمة مؤقتا، فإن التطورات اللاحقة توحي بأن الصراع لم ينته، بل انتقل إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بإعادة رسم موازين القوة داخل النظام نفسه.
ويرى عدد من المتابعين للشأن الجزائري أن ما يجري حاليا لا يتعلق بمجرد خلافات إدارية أو تنافس بين مسؤولين، بل يعكس صراعا عميقا حول طبيعة السلطة ومراكز النفوذ داخل الدولة، في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية متزايدة.
وفي ظل استمرار محاكمة فريد بن الشيخ، وتنامي المؤشرات على وجود مواجهة صامتة بين الرئاسة وقيادة الجيش، تبدو الجزائر أمام مرحلة دقيقة قد تعيد تشكيل توازنات الحكم لسنوات قادمة، وسط تساؤلات متزايدة حول الجهة التي تمتلك القرار الفعلي داخل الدولة، وحول مستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقصر الرئاسي في واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية منذ سنوات.










