تشهد العلاقات المغربية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة تعكس تغيراً واضحاً في طبيعة التوازنات السياسية والاستراتيجية بين البلدين، في سياق إقليمي ودولي يتسم بإعادة رسم خرائط النفوذ داخل القارة الإفريقية. فبعد فترات من التوتر والبرود الدبلوماسي، يبدو أن الرباط وباريس تتجهان نحو بناء مرحلة جديدة من التعاون تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، مدعومة بتطورات سياسية متسارعة جعلت من المغرب فاعلاً محورياً في معادلات الاستقرار والتنمية بالقارة السمراء.
ويرى متابعون أن هذا التقارب المتجدد لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة مسار طويل استطاع خلاله المغرب تعزيز موقعه الإقليمي والدولي، مستفيداً من شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية التي نسجها مع قوى دولية وإفريقية مؤثرة، فضلاً عن النجاحات الدبلوماسية التي حققها في ملف الصحراء المغربية، والتي دفعت عدداً من الدول الكبرى إلى مراجعة مواقفها والاقتراب أكثر من الرؤية المغربية.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الصحافي والمحلل السياسي عبد الهادي مزراري أن العلاقات المغربية الفرنسية تمتد جذورها إلى قرون مضت، وتتميز بتشابك أبعادها التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية. غير أن هذه العلاقات، رغم عمقها، مرت بمحطات صعبة، خاصة خلال مرحلة الحماية الفرنسية التي شكلت واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ المملكة.
وأوضح مزراري أن المغرب، بعد نيله الاستقلال، وجد نفسه أمام تحديين أساسيين؛ الأول يتعلق بالتخلص من آثار التبعية التي خلفها الاستعمار في عدد من القطاعات الحيوية، والثاني يرتبط باستكمال وحدته الترابية والدفاع عن سيادته الوطنية. وخلال هذه المسيرة، ظلت العلاقات مع فرنسا تخضع لاختبارات متكررة فرضتها التطورات السياسية والإقليمية.
وأشار المتحدث إلى أن السياسة المغربية، القائمة على الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى والصبر الدبلوماسي، مكنت المملكة من تحقيق مكاسب مهمة، من بينها تطور الموقف الفرنسي تجاه قضية الصحراء المغربية، في سياق شهد تنامياً للدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما أبرز أن المغرب نجح في ترسيخ حضوره داخل القارة الإفريقية من خلال مشاريع استثمارية وتنموية وشراكات متعددة، ما جعله شريكاً أساسياً في العديد من الملفات الإقليمية. وفي المقابل، وجدت فرنسا نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تراجع نفوذها التقليدي في عدد من الدول الإفريقية، الأمر الذي دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وبناء علاقات أكثر توازناً مع الرباط.
ويرى مراقبون أن الحديث المتزايد عن إرساء شراكة استراتيجية متقدمة بين المغرب وفرنسا لا ينفصل عن هذه التحولات، خاصة في ظل إدراك باريس للأهمية الجيوسياسية التي باتت تمثلها المملكة باعتبارها بوابة نحو إفريقيا وشريكاً موثوقاً في مجالات الأمن والاستثمار والطاقة والتنمية.
وفي خضم هذه الدينامية الجديدة، عاد إلى الواجهة النقاش حول بعض الملفات التاريخية المرتبطة بالمرحلة الاستعمارية، وعلى رأسها قضية الحدود الموروثة عن الحقبة الفرنسية. ويعتبر مزراري أن أي شراكة استراتيجية حقيقية بين البلدين تقتضي معالجة عدد من القضايا العالقة المرتبطة بالماضي، بما في ذلك الكشف عن الوثائق والأرشيفات والخرائط التاريخية التي توثق للقرارات الاستعمارية المتعلقة بالمجال الترابي المغربي.
وأكد أن فتح الأرشيف الفرنسي المرتبط بهذه المرحلة من شأنه أن يساهم في إضاءة جوانب مهمة من التاريخ المشترك بين البلدين، وأن يتيح للباحثين والمؤرخين الوصول إلى معطيات ووثائق ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن التداول العمومي.
ويجمع عدد من المتابعين على أن مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية سيكون رهيناً بقدرة الطرفين على بناء شراكة متوازنة تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستحضر دروس الماضي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية والتنافس الدولي المتزايد على فضاءاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الرباط وباريس أمام فرصة تاريخية لطي صفحات الخلاف وفتح آفاق جديدة للتعاون، تقوم على الوضوح والثقة والاحترام المتبادل، بما يعزز مصالح البلدين ويمنح علاقتهما بعداً استراتيجياً أكثر رسوخاً واستدامة في السنوات المقبلة.










