في خضم الجدل المتجدد حول بعض السرديات المرتبطة بنزاع الصحراء، تعود إلى الواجهة وثيقة رسمية مؤرخة سنة 1979، موجهة من حكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية إلى منظمة الأمم المتحدة، تحمل موقفًا واضحًا لا يترك مجالاً للتأويل أو القراءة الانتقائية.
الوثيقة، التي قُدمت في سياق إقليمي دقيق أعقب تحولات كبرى في المنطقة، لم تكتفِ بإعلان حياد موريتانيا في نزاع الصحراء، بل شددت بشكل صريح على احترام سيادتها وسلامة أراضيها داخل حدودها المعترف بها دوليًا سنة 1960، أي سنة الاستقلال.
حدود 1960.. موقف قانوني محسوم
تأكيد نواكشوط آنذاك على حدود 1960 لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل إعلانًا قانونيًا ذا دلالة واضحة في القانون الدولي. فحين تطالب دولةٌ رسميًا باحترام حدودها كما ورثتها عند الاستقلال، فإنها تُقرّ ضمنيًا بأنها لا تتمسك بأي امتداد ترابي خارج تلك الحدود.
هذا الموقف ينسجم مع مبدأ “احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار” المعتمد في إفريقيا، والذي شكل قاعدة لتفادي النزاعات الحدودية بين الدول حديثة الاستقلال.
الكويرة.. بين الوثيقة والرواية
في ضوء هذا المعطى، تبدو الادعاءات المتداولة بين الفينة والأخرى حول وجود مطالبة موريتانية بمدينة الكويرة المغربية، مناقضة بشكل مباشر لما أعلنته الدولة الموريتانية نفسها أمام المجتمع الدولي سنة 1979.
فالكويرة، الواقعة في أقصى الجنوب، ظلت موضوع نقاش سياسي وإعلامي، غير أن الوثيقة الرسمية الموجهة إلى الأمم المتحدة تؤكد أن موريتانيا تتمسك فقط بحدودها المعترف بها سنة 1960، دون أي مطالبة خارج هذا الإطار.
قراءة في السياق التاريخي
جاء هذا الموقف بعد سنوات قليلة من توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية سنة 1975، التي أعادت رسم معادلات المنطقة، وقبل أن تعلن نواكشوط انسحابها من وادي الذهب سنة 1979. وبالتالي فإن الرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة كانت بمثابة توضيح رسمي لموقع موريتانيا في معادلة النزاع، وتأكيد على خيار الحياد واحترام الحدود الدولية.
وثيقة تُفند التأويلات
أهمية هذه الوثيقة لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، بل في قوتها القانونية والسياسية. فهي صادرة عن حكومة ذات سيادة، وموجهة إلى أعلى هيئة أممية، وفيها إعلان صريح بالتمسك بحدود 1960 دون سواها.
وعليه، فإن أي سردية تتحدث عن “أطماع موريتانية” في الكويرة أو غيرها من المناطق خارج تلك الحدود، تصطدم بموقف رسمي موثق لدى الأمم المتحدة، يعكس إرادة دولة اختارت أن تحسم الأمر قانونيًا أمام المجتمع الدولي منذ أزيد من أربعة عقود.
في زمن تتكاثر فيه الروايات المتضاربة، تظل الوثيقة الرسمية لسنة 1979 مرجعًا ثابتًا في قراءة الموقف الموريتاني، ودليلاً على أن ما يُحسم في الدبلوماسية المكتوبة، يصعب تجاوزه بالشائعات أو التأويلات.





