عز الدين السريفي
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة تُختزل في جلد منفوخ يطارده اثنان وعشرون لاعباً، بل كانت، خصوصاً في الفضاء العربي، مرآة مكشوفة تعكس ما يعتمل في الأعماق من توترات نفسية واختلالات حضارية لم تجد طريقها بعد إلى الحل. إنها، بتعبير أدق، مختبر عارٍ تتجلى فيه هشاشة الوعي الجماعي حين يُختبر أمام لحظة تنافس.
ما أعقب قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بشأن كأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد تفاعل رياضي عابر، بل كشف عن موجة من الاحتقان الرقمي والإعلامي، خاصة في بعض المنابر في الجزائر ومصر، حيث انزلق الخطاب من التحليل إلى التجييش، ومن النقاش إلى الاتهام. هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق أعمق، يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
تحليلياً، نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”النرجسية الجريحة”. حين يعجز الوعي الجمعي عن تحقيق إنجازات ملموسة في مجالات التنمية أو السياسة، تتحول الرياضة إلى بديل رمزي لتعويض الشعور بالنقص. في هذا السياق، يصبح نجاح الآخر القريب—كما هو حال المغرب—أكثر من مجرد تفوق رياضي؛ يتحول، في اللاوعي الجمعي، إلى تهديد للذات وكشف لعجزها. وهنا، يتبدل دور الإعلامي من ناقل للخبر إلى فاعل في إنتاج الضغينة، يعيد تدوير الإحباطات في خطاب يفتقر لأبسط قواعد المهنية.
تاريخياً، ترسخت في الوجدان العربي ثقافة “المنافسة الصفرية”، حيث لا يتحقق وجود الذات إلا بنفي الآخر. هذه الذهنية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة عقود من التعبئة الإعلامية التي استبدلت منطق التكامل بمنطق المغالبة، ورسخت صورة الجار كخصم دائم لا كشريك محتمل.
إن ما نشهده اليوم، خاصة في المحور المغاربي-المشرقي، ليس سوى امتداد لحروب باردة قديمة وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً جديداً للتفريغ. لقد تحولت هذه المنصات من أدوات للتقارب إلى خنادق رقمية، تُستبدل فيها الحجة بالشتيمة، والتحليل بالتشكيك، والحوار بالتخوين.
ثقافياً، تعكس هذه الظاهرة أزمة أعمق: “أزمة اعتراف”. فالاعتراف بتميز الآخر يتطلب قدراً من النضج والثقة بالذات، وهو ما يغيب عن الخطاب الإعلامي الشعبوي الذي يقتات على إثارة الغرائز الجماهيرية بدل الارتقاء بها. وهكذا، يصبح كره الجار معياراً للوطنية، ويُعاد تعريف الانتماء من خلال الضغينة لا من خلال البناء.
إن اختزال نجاح المغرب في تنظيم تظاهرة قارية في سرديات المؤامرة أو “الكواليس” لا يعكس سوى محاولة للهروب من مواجهة الذات. فالإنجاز، في جوهره، نتيجة عمل مؤسساتي وتراكم خبرات، وليس نتاج صدفة أو تواطؤ. والاعتراف بذلك لا يُنقص من أحد، بل يفتح الباب أمام مراجعة ضرورية.
في النهاية، لا يمكن بناء مستقبل عربي مشترك في ظل هذا التلوث النفسي. فالحقد لا يصنع نهضة، والضغينة لا تبني ملاعب ولا مؤسسات. وحدها ثقافة الاعتراف، والثقة بالنفس، والقدرة على تحويل المنافسة إلى تكامل، هي الكفيلة بإعادة الاعتبار للرياضة كجسر للتقارب، لا كساحة لتصفية الحسابات.
لقد آن الأوان لأن نكف عن رؤية أنفسنا في مرآة الآخرين، وأن نبدأ أخيراً في بناء صورة تستحق أن تُرى.



