الدبلوماسية المغربية في عالم متحوّل: براغماتية الملك محمد السادس ودينامية ناصر بوريطة في مواجهة الزلازل الجيوسياسية

جسر بريس22 مارس 2026آخر تحديث :
الدبلوماسية المغربية في عالم متحوّل: براغماتية الملك محمد السادس ودينامية ناصر بوريطة في مواجهة الزلازل الجيوسياسية

عز الدين السريفي / رئيس التحرير

في عالم يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد حدة الاستقطاب الدولي، برزت الدبلوماسية المغربية كنموذج متوازن يجمع بين الواقعية السياسية والمرونة الاستراتيجية. تحت قيادة الملك محمد السادس، وبإدارة تنفيذية يقودها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، استطاع المغرب أن يعيد تموقعه كفاعل إقليمي وازن وشريك موثوق على الساحة الدولية.

براغماتية ملكية: إعادة تعريف الأولويات

منذ اعتلاء العرش، انتهج الملك محمد السادس سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات وتحرير القرار الدبلوماسي من الارتهان لمحاور تقليدية. فقد عمل على توسيع الحضور المغربي في القارة الإفريقية، ليس فقط عبر العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بل من خلال بناء شبكة علاقات اقتصادية وتنموية عميقة، جعلت من المغرب شريكًا تنمويًا موثوقًا لعدد من الدول الإفريقية.

كما اعتمدت الرباط مقاربة “رابح-رابح” في علاقاتها مع القوى الكبرى، سواء مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، دون إغفال الانفتاح المتزايد على قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، وهو ما يعكس توجهاً نحو تعددية الشركاء بدل الارتهان لمحور واحد.

دبلوماسية نشطة: بوريطة كمهندس للتوازنات

يُعد ناصر بوريطة أحد أبرز وجوه هذه الدينامية، حيث نجح في ترجمة التوجهات الملكية إلى تحركات دبلوماسية ملموسة. فقد اعتمد أسلوباً قائماً على الحضور المكثف في المحافل الدولية، والتفاعل السريع مع القضايا الإقليمية، ما منح المغرب صورة الدولة المبادِرة لا المتلقية.

برز هذا الدور خصوصاً في ملف الصحراء المغربية، حيث حققت الرباط اختراقات دبلوماسية مهمة، تمثلت في اعترافات متزايدة بمغربية الصحراء أو دعم مبادرة الحكم الذاتي، وهو ما عزز موقع المغرب داخل المنتظم الدولي.

إفريقيا: العمق الاستراتيجي

شكلت إفريقيا محوراً أساسياً في التحرك الدبلوماسي المغربي، حيث أطلق الملك محمد السادس عشرات المبادرات الاقتصادية والإنسانية، من بينها مشاريع استثمارية كبرى واتفاقيات تعاون جنوب-جنوب. كما سعى المغرب إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، عبر مقاربات تجمع بين التنمية ومحاربة التطرف.

توازنات دقيقة في عالم مضطرب

في ظل أزمات دولية متلاحقة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، اختار المغرب نهج الحياد الإيجابي، القائم على عدم الانخراط في الاستقطاب الحاد، مع الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية. هذا التوازن مكّنه من الحفاظ على علاقات مستقرة مع أطراف متعارضة، دون التفريط في ثوابته.

دبلوماسية اقتصادية: رافعة النفوذ

لم تعد الدبلوماسية المغربية مقتصرة على البعد السياسي، بل أصبحت أداة لتعزيز الحضور الاقتصادي. فقد عملت الرباط على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع شبكة اتفاقيات التبادل الحر، مستفيدة من موقعها الجغرافي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا.

نحو نموذج دبلوماسي مغربي متكامل

إن ما يميز التجربة المغربية هو قدرتها على التكيف مع التحولات دون فقدان البوصلة الاستراتيجية. فبين قيادة ملكية ذات رؤية بعيدة المدى، وتنفيذ دبلوماسي نشيط يقوده ناصر بوريطة، استطاع المغرب أن يرسخ لنفسه موقعاً كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على التفاعل بذكاء مع تعقيدات النظام الدولي.

في زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، تقدم الدبلوماسية المغربية نموذجاً قائماً على البراغماتية، تنويع الشراكات، والدفاع الصارم عن المصالح الوطنية. وهي معادلة يبدو أنها ستستمر في رسم ملامح حضور المغرب في السنوات المقبلة، خاصة مع اقتراب استحقاقات دولية كبرى وتزايد التنافس على النفوذ في القارة الإفريقية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة