أحمد نورالدين: تحالف الرباط والقاهرة ضرورة لإنقاذ النظام العربي من الانهيار

جسر بريس7 أبريل 2026آخر تحديث :
أحمد نورالدين: تحالف الرباط والقاهرة ضرورة لإنقاذ النظام العربي من الانهيار

عز الدين السريفي

في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها الأزمات وتتصاعد فيها التحديات، جاء لقاء القاهرة الذي جمع بين رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش ونظيره المصري مصطفى مدبولي، ليؤكد أن العلاقات المغربية المصرية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو شراكة استراتيجية ذات أبعاد إقليمية عميقة.

هذا اللقاء، الذي تزامن مع انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق المشتركة، لم يكن مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل يعكس تحوّلًا في رؤية البلدين لدورهما داخل النظام العربي، خاصة في ظل ما تعرفه منطقة الشرق الأوسط من تحولات متسارعة واضطرابات جيوسياسية متلاحقة.

سياق إقليمي مضطرب يفرض التقارب

يرى أحمد نورالدين أن أهمية هذا اللقاء تنبع أساسًا من الظرفية الجيوسياسية التي ينعقد فيها، حيث يعيش النظام الإقليمي العربي حالة من فقدان التوازن الاستراتيجي منذ سنوات، تفاقمت مع تداعيات ما سمي بـ”الربيع العربي”، وما رافقها من حروب غير تقليدية وتدخلات خارجية متعددة الأشكال.

في هذا السياق، يبرز التقارب المغربي المصري كخيار استراتيجي، لا فقط لخدمة مصالح البلدين، بل كرافعة لإعادة التوازن إلى النظام العربي، في ظل تراجع أدوار تقليدية وصعود تهديدات جديدة، من الحروب الهجينة إلى تصاعد نفوذ الفاعلين غير النظاميين.

اتفاقيات اقتصادية بطموح استراتيجي

اللقاء تُوّج بتوقيع نحو عشرين اتفاقية وبروتوكول تعاون، تعكس إرادة سياسية واضحة للانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى التكامل الاقتصادي. ويُنتظر أن تشمل هذه الاتفاقيات قطاعات حيوية، من الصناعة والتجارة والاستثمار، إلى الزراعة والري والثقافة والشباب.

الرهان الأكبر، وفق نورالدين، يتمثل في رفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين من حوالي 1.3 مليار دولار حاليًا إلى نحو 7 مليارات دولار في أفق 2030، وهو هدف طموح لكنه قابل للتحقيق إذا ما تم تجاوز العراقيل التقنية واللوجستية، خاصة تلك المرتبطة بتنفيذ اتفاقية أكادير للتبادل الحر.

كما يشكل تطوير الربط البحري وتعزيز سلاسل الإمداد بين موانئ البلدين خطوة أساسية نحو بناء شراكة اقتصادية حقيقية، قادرة على أن تتحول إلى نموذج عربي ناجح في التعاون البيني.

من التنسيق الثنائي إلى التأثير الإقليمي

لا يقتصر التعاون بين الرباط والقاهرة على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى التنسيق السياسي في مواجهة أزمات المنطقة. فالنظام العربي، كما يشير نورالدين، يعيش واحدة من أصعب مراحله، حيث تتراوح أوضاع الدول بين عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي، فيما لم تعد حتى المناطق التي كانت تُعتبر مستقرة بمنأى عن التهديدات.

في ظل هذا الواقع، يُنظر إلى المغرب ومصر باعتبارهما “قلعتين” يمكن أن تشكلا نقطة انطلاق لإعادة بناء التوازن الإقليمي، شريطة تبني مقاربة جديدة تقوم على الواقعية والمصالح المشتركة، بدل الشعارات والبيانات غير المؤثرة.

نحو نموذج عربي جديد للتكامل

أحد أبرز الدروس التي يطرحها هذا التقارب هو ضرورة الانتقال من التعاون العاطفي إلى التعاون المبني على المصالح الاقتصادية الملموسة. فالتجارب الدولية الناجحة، مثل الاتحاد الأوروبي، تؤكد أن الاقتصاد هو الأساس الصلب لأي تكتل إقليمي مستدام.

من هذا المنطلق، تبدو الشراكة المغربية المصرية مرشحة لأن تتحول إلى نواة نموذج عربي جديد، يقوم على تحقيق السيادة الصناعية والتكنولوجية والغذائية، ويعيد الاعتبار لفكرة التكامل العربي على أسس عملية.

دعم الوحدة الترابية… ثوابت لا تتغير

في البعد السياسي، يكتسي موقف مصر الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية أهمية خاصة، إذ يندرج ضمن عقيدة تاريخية تقوم على الدفاع عن وحدة الدول العربية وسلامة أراضيها.

ويؤكد هذا الموقف، بحسب نورالدين، أن القاهرة تنظر إلى استقرار المغرب كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، خاصة في ظل المخاطر التي قد يطرحها استمرار النزاعات الإقليمية على استقرار المنطقة ككل.

لقاء القاهرة ليس مجرد حدث عابر في أجندة العلاقات الثنائية، بل يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في وعي المغرب ومصر بحجم التحديات التي تواجه العالم العربي. وبين طموحات اقتصادية كبرى ورهانات سياسية معقدة، يبدو أن الرباط والقاهرة تسعيان إلى رسم معالم شراكة جديدة قد تكون، إذا ما كُتب لها النجاح، بداية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي على أسس أكثر توازنًا وواقعية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة