عز الدين السريفي
لم يكن قرار جمهورية مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل تحوّل نوعي يعكس إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى في منطقة الساحل وشمال إفريقيا. فبعد 42 سنة من الاصطفاف داخل المعسكر الداعم للطرح الانفصالي، اختارت باماكو أن تعيد تموقعها الاستراتيجي، في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بتراجع نفوذ الجزائر وتنامي الحضور المغربي.
هذا القرار، الذي جاء عقب لقاء وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب بنظيره المغربي ناصر بوريطة، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي شهدتها مالي منذ وصول الجنرال أسيمي غويتا إلى السلطة سنة 2021. فمنذ ذلك التاريخ، بدأت باماكو تدريجيا في فك ارتباطها بخيارات تقليدية لم تعد تخدم مصالحها الأمنية والتنموية، وعلى رأسها الارتهان للموقف الجزائري في ملف الصحراء.
تحول استراتيجي… من منطق الإيديولوجيا إلى منطق المصالح
اللافت في البيان المالي ليس فقط إعلان سحب الاعتراف، بل اللغة الواضحة التي تبنّت مقترح الحكم الذاتي المغربي كـ”الحل الوحيد الجاد وذي المصداقية”. هذا التحول يعكس انتقال مالي من منطق إيديولوجي كان يُغذّى خلال عقود الحرب الباردة، إلى منطق براغماتي يضع الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية في صدارة الأولويات.
في المقابل، يبدو أن الجزائر فشلت في مواكبة هذه التحولات، حيث استمرت في تبني مقاربة جامدة قائمة على دعم حركات انفصالية، في وقت تواجه فيه اتهامات متزايدة بالتدخل في شؤون جيرانها، خاصة في ما يتعلق بمنطقة “أزواد”. وهو ما جعل علاقاتها مع باماكو تنتقل من التوتر إلى القطيعة، خصوصا بعد حادث إسقاط الطائرة المسيّرة سنة 2025.
المغرب يربح رهان العمق الإفريقي
القرار المالي يعكس أيضا نجاح الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، في بناء شراكات قائمة على التعاون جنوب-جنوب، بعيدا عن منطق الاستقطاب. فالمبادرات المغربية، وعلى رأسها المبادرة الأطلسية، لم تعد مجرد مشاريع على الورق، بل تحولت إلى أدوات جيوسياسية تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
انخراط مالي في هذه الدينامية، وسعيها للاستفادة من منفذ بحري عبر ميناء الداخلة الأطلسي، يكشف أن الرهان الاقتصادي أصبح محددا رئيسيا في مواقف الدول، وهو ما لم تستوعبه الجزائر التي لا تزال تراهن على أدوات تقليدية فقدت فعاليتها.
خسارة جزائرية مركّبة
خسارة الجزائر لمالي كحليف تقليدي لا تقتصر على البعد الرمزي، بل تحمل أبعادا استراتيجية عميقة. فباماكو ليست دولة هامشية، بل فاعل محوري في منطقة الساحل، وتربطها بالجزائر حدود طويلة تتجاوز 1300 كيلومتر. وبالتالي، فإن هذا التحول يضعف بشكل كبير الجبهة الإفريقية الداعمة للبوليساريو، ويفتح الباب أمام مزيد من التراجعات.
الأخطر بالنسبة للجزائر هو أن هذا القرار قد يشكل سابقة لدول أخرى كانت تتبنى مواقف مماثلة، لكنها بدأت تراجع حساباتها في ضوء التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.
نهاية مرحلة… وبداية أخرى
ما حدث في باماكو ليس مجرد قرار سيادي لدولة، بل هو مؤشر على نهاية مرحلة كاملة في تدبير ملف الصحراء، وبداية أخرى عنوانها الواقعية السياسية. فالدول لم تعد تقيس مواقفها بالشعارات، بل بمدى قدرتها على تحقيق الاستقرار وجلب الاستثمارات وضمان التنمية لشعوبها.
وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب نجح في فرض مقاربته كخيار عملي وذي مصداقية، بينما تجد الجزائر نفسها مطالبة بإعادة تقييم سياساتها، إذا أرادت مواكبة التحولات بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة.
قرار مالي ليس ضربة عابرة، بل رسالة سياسية قوية مفادها أن زمن الاصطفافات الجامدة قد انتهى، وأن من لا يواكب التحولات، سيجد نفسه خارج معادلة التأثير.










