أفريكوم في الجزائر: رسائل مشفّرة وتحذيرات مباشرة من واشنطن

جسر بريس28 أبريل 2026آخر تحديث :
أفريكوم في الجزائر: رسائل مشفّرة وتحذيرات مباشرة من واشنطن

في سياق إقليمي متوتر تشهده منطقة الساحل، استقبلت القيادة العسكرية الجزائرية قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، في لقاء جمعه بالفريق أول السعيد شنقريحة، قائد أركان الجيش الجزائري، لمناقشة ملفات التعاون الأمني والتنسيق الإقليمي.

ورغم اللغة الدبلوماسية التي طغت على البيان الرسمي، والتي تحدثت عن “تعزيز التعاون” و”مواجهة التحديات الأمنية”، إلا أن القراءة السياسية للزيارة تكشف عن أبعاد أعمق، تتجاوز المجاملات البروتوكولية إلى توجيه رسائل واضحة من واشنطن إلى صناع القرار في الجزائر.

رسائل أمريكية بلهجة حازمة

تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة ضبط التوازنات الأمنية في منطقة الساحل، خاصة في ظل تصاعد التوترات في مالي، وتنامي التهديدات المرتبطة بالجماعات المسلحة. وفي هذا الإطار، يبدو أن لقاء أفريكوم مع القيادة الجزائرية لم يكن مجرد اجتماع عادي، بل حمل في طياته تحذيرًا ضمنيًا من مغبة الاستمرار في سياسات يُنظر إليها كعامل تأزيم في المنطقة.

وتدرك واشنطن أن نجاح أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب في الساحل يظل رهينًا بتعاون إقليمي حقيقي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو توظيف الأزمات لخدمة أجندات جيوسياسية. وهو ما يفسر اللهجة الحازمة التي طبعت الرسائل الأمريكية، والتي تؤكد أن أمن المنطقة لم يعد مجالًا للمناورات.

الجزائر بين الطموح الإقليمي والاتهامات المتزايدة

خلال السنوات الأخيرة، تحولت صورة الجزائر، التي كانت تقدم نفسها كفاعل إقليمي محوري، إلى مصدر قلق لدى عدد من العواصم الدولية، بسبب سياساتها الخارجية التي توصف أحيانًا بالتصعيدية. وتُوجَّه انتقادات متزايدة للسلطات في قصر المرادية، على خلفية ما يُعتبر تدخلًا في شؤون بعض دول الجوار، خاصة في مالي، فضلًا عن استمرار دعم حركات انفصالية تُهدد استقرار المنطقة المغاربية.

هذه المعطيات جعلت التحركات الجزائرية تخضع لتدقيق دولي متزايد، في وقت يتجه فيه المجتمع الدولي نحو تعزيز منطق الاستقرار والتكامل الاقتصادي بدل تغذية بؤر التوتر.

الساحل… ساحة اختبار للنيات

تُعد منطقة الساحل اليوم واحدة من أكثر المناطق هشاشة أمنيًا في العالم، ما يجعل أي تحرك إقليمي أو دولي فيها محل متابعة دقيقة. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة قائد أفريكوم إلى الجزائر كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض قواعد جديدة للتعامل مع الأزمات، قائمة على احترام سيادة الدول ورفض أي تدخلات غير معلنة.

كما تحمل هذه الزيارة رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة ستشهد تشددًا أكبر في التعاطي مع أي ممارسات من شأنها تقويض جهود الاستقرار، سواء تعلق الأمر بالتدخلات السياسية أو بدعم أطراف غير نظامية.

مفترق طرق حاسم

أمام هذه التطورات، تبدو الجزائر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في مقاربة إقليمية جديدة تقوم على التعاون المسؤول وحسن الجوار، أو الاستمرار في سياسات العزلة التي قد تُفاقم من تراجع دورها الإقليمي.

وفي ظل وضوح الرسائل الأمريكية هذه المرة، يبدو أن هامش المناورة يضيق أكثر فأكثر، وأن معادلة الأمن في الساحل بصدد إعادة التشكل وفق قواعد أكثر صرامة، عنوانها: لا مكان بعد اليوم لسياسات الغموض أو توظيف الفوضى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة