بعث حزب التجمع الوطني للأحرار بإشارات سياسية واضحة، بل حاسمة، إلى منافسيه، عقب النتائج اللافتة التي حققها في الانتخابات الجزئية الأخيرة، والتي كشفت عن تحولات عميقة في موازين القوى داخل المشهد الحزبي المغربي. فبحصوله على 102 مقاعد من أصل 139، موزعة على 52 إقليما، لا يتعلق الأمر فقط بفوز انتخابي عابر، بل بترسيخ موقع متقدم في سباق إعادة تشكيل الخريطة السياسية قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
هذه النتائج، التي تمثل حوالي 73 في المائة من مجموع المقاعد، تعكس قدرة الحزب على الحفاظ على دينامية تنظيمية وميدانية عالية، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التي واكبت فترة تدبيره الحكومي. كما تشير إلى نجاحه في تعبئة قاعدته الانتخابية واستثمار حضوره الترابي، وهو ما يمنحه أفضلية نفسية وسياسية في مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد التنافس بين مختلف الفاعلين.
لكن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تطرح أكثر من دلالة. أولها أن الانتخابات الجزئية، رغم طابعها المحدود من حيث الرهانات الوطنية، أصبحت مختبرا حقيقيا لقياس الجاهزية الحزبية، سواء على مستوى التأطير أو القدرة على استعادة الثقة. وثانيها أن التفوق الكاسح للأحرار لا يمكن فصله عن تشتت نسبي في صفوف المنافسين، خاصة في ظل غياب خطاب سياسي بديل قادر على استقطاب الناخبين بنفس الزخم.
في المقابل، شكّلت هذه الانتخابات صفعة جديدة لحزب العدالة والتنمية، الذي واصل نزيفه الانتخابي بخسارات وُصفت بالقاسية في عدد من الجماعات، بما في ذلك معاقل سابقة. فبعد السقوط المدوي في انتخابات 2021، يبدو أن الحزب لم ينجح بعد في إعادة بناء صورته أو استعادة ثقة جزء من ناخبيه، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرته على العودة إلى واجهة المنافسة في المدى القريب.
غير أن اختزال النتائج في صعود الأحرار وتراجع العدالة والتنمية فقط، قد يُغفل معطى مهما، يتمثل في عودة أحزاب تقليدية إلى واجهة التنافس، مثل الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، التي تمكنت من حصد مواقع مهمة، خصوصاً في مناطق كانت تُحسب سابقاً على الإسلاميين. هذه العودة تعكس إعادة توزيع للأدوار داخل الحقل الحزبي، وقد تمهد لتحالفات جديدة أو توازنات مختلفة في المستقبل.
سياسياً، تحمل هذه النتائج رسائل متعددة. فهي من جهة تعزز موقع الأغلبية الحكومية الحالية، وتمنحها جرعة ثقة قبل الدخول في الاستحقاقات التشريعية، ومن جهة أخرى تضع المعارضة أمام اختبار حقيقي: إما إعادة ترتيب الصفوف وتقديم عرض سياسي مقنع، أو المخاطرة بمزيد من التراجع في ظل هيمنة متصاعدة لحزب يقود الحكومة.
في العمق، تكشف هذه الانتخابات أن المزاج الانتخابي لم يحسم بعد بشكل نهائي، لكنه يميل، في هذه المرحلة، نحو الاستقرار والرهان على الأحزاب التي تملك أدوات التدبير والانتشار الميداني. غير أن هذا المعطى يظل نسبياً، إذ أن التحولات السياسية الكبرى غالباً ما تتشكل في اللحظات الأخيرة، خصوصاً في سياق اجتماعي واقتصادي متقلب.
وعليه، فإن انتخابات شتنبر المقبلة لن تكون مجرد استحقاق عادي، بل محطة مفصلية ستحدد ما إذا كان “الأحرار” سيترجم هذا التفوق الجزئي إلى انتصار وطني شامل، أم أن المشهد سيشهد مفاجآت تعيد خلط الأوراق من جديد.










