الرئيسية / 24 ساعة / هل هي نهاية التاريخ أم بدايته؟

هل هي نهاية التاريخ أم بدايته؟

حسن اوريد

بعد أيام قليلة تحل الذكرى الثلاثين لسقوط حائط برلين (9 نوفمبر 1989). أصبح هذا التاريخ فيصلا بين مرحلتين، مرحلة الحرب الباردة، وما بعدها. طبعا لم ينهر حائط الشيوعية دفعة واحدة، في يوم واحد. سبق ذلك التاريخ تصدع خافت، في أرجاء أخرى من أوروبا الشرقية، واستمر التصدع بعدها، لكن تاريخ 9 نوفمبر ظل العلامة الفاصلة بين مرحلتين، وبين تصورين للتاريخ والدينامية التي تحركه، وللإنسان، بين الليبرالية من جهة والشيوعية من جهة أخرى.
كان هذا التاريخ علامة على فشل الشيوعية، ومؤشرا على انتصار الليبرالية، أو الغرب، وهو ما كان نعته الفيلسوف فوكوياما بنهاية التاريخ في مقال له بمجلة «أتلانتيك منثلي» لسوف يتوسع فيه في كتاب يحمل العنوان ذاته. كان فوكوياما في حقيقة الأمر قد وظف فكرة سابقة لهيجل، حين اعتبر نابليون حاملا لقيم فلسفة الأنوار، وناشرها في العالم، وهي نتاج ما انتهى له التاريخ حينها.
أعقب فترة سقوط حائط برلين ازدهاء كبير من لدن الغرب، وتصرفت الولايات المتحدة كما لو أنها حاملة لرسالة مهدوية تقوم على الليبرالية في الاقتصاد والدمقرطة في السياسية.. انتهت مرحلة الأيديولوجية الشيوعية، لتقوم على أنقاضها أيديولوجية جديدة، وهي النيوليبرالية. كان لها ككل أيديولوجية متنها وسدنتها وشراحها ورُسلها وحواريوها، إلى أن بدأت معالم التصدع مع الأزمة الاقتصادية سنة 2008، التي كانت أعمق من أن تُحصر في الجانب المالي أو الاقتصادي، رغم كل التطمينات التي كان الغربيون يقدمونها. انتهى ما سماه باحثان هما أيفان كاستيف وستيفن هولمز يؤرخان لهذه الفترة لما لها من انعكاسات على العالم، في كتاب صدر مؤخرا بعنوان «النور الذي أخفق»The light that failed . يعتبر الباحثان أن سنة 2008، هي الفيصل بين مرحلتين، ما قبل 2008، وتتسم بما سمياه بـ»تقليد الغرب»، حيث انتصب الغرب نموذجا، وسعت دول العالم لأن تقتدي به، وتسلك ما يشير إليه، ثم ما بعد 2008، وهي ما ينعتانه بنهاية التقليد، حيث لم يعد نموذج الغرب مغريا، مع بروز نماذج ثلاثة، النموذج الأول وهو الصين، التي وظفت المنظومة الرأسمالية لامتلاك التكنولوجيا، وأصبحت الآن خارج طوق الغرب، اقتصاديا وتكنولوجيا، والنموذج الثاني هو بوتين الذي كسر القطبية الأحادية، على مستوى العلاقات الدولية، في ملفات ساخنة، في أوكرانيا وحين ضمت روسيا جزيرة القرم، ، ثم في الملف السوري، فضلا عن التدخل في مسلسل الانتخابات الأمريكية. والنموذج الثالث الذي يدق الإسفين النهائي لزمن التقليد، أو سؤدد الغرب، هو ترامب نفسه، الذي لا يأتمر برسالة مهدوية، ويفضل أن يكون ناطقا باسم الطبقات التي تضررت من العولمة من داخل أمريكا، أو من نقل مناصب شغلها إلى الخارج، ويجعل أمريكا أولا، ويتبني إجراءات حمائية، من حيث الاقتصاد مناهضة تماما للأيديولوجية النيوليبرالية التي حملها سابقوه.

حلبة ما بعد مرحلة سقوط برلين ستكون العالم العربي أو هو البؤرة الأبرز وهو الأمر الجاري حاليا

كلها عناصر تؤشر إلى شيء لا يفصح عنه المؤلفان، وهو نهاية سؤدد الغرب. وما يذهب إليه الباحثان، هو السعي لإنقاذ المنظومة الليبرالية، أو الغرب، بالدفع إلى أن ما طبع سياسة الولايات المتحدة، منذ سقوط حائط برلين ليس ليبرالية، ويتعين والحالة هذه الرجوع إلى ليبرالية منقحة، مُبرأة من الطموحات غير الواقعية التي شابتها، والنزوع الذاتي للهدم والتشوف إلى الهيمنة. ما يعتمل في الغرب لا يهم الغرب وحده، إذ له انعكاسات كونية، لأنه واضع النواميس، بيد أن التداعيات الأعمق هي تلك التي تجري في ساحة العالم العربي، بحكم ما كان سماه المرحوم سمير قصير (لعنة الجغرافية)، أو القرب الجغرافي، والعلاقة الطردية بين عالم المسيحية قديما، والغرب حديثا، وعالم الإسلام، كما لو هي ساعة رملية، إن امتلأت في جانب أُفرغت في جانب آخر.
كنت قد كتبت في كتاب صدر قبل سنتين أراد له الناشر عنوان «أفول الغرب»، في الوقت الذي اخترت فيه صيغة الاستفهام، أقول فيه: «إن الغرب يمر بأزمة وجودية وسوف يتأثر بمجرياتها العالم، وسوف تنعكس بدرجة أولى على العالم العربي بحكم الجوار الجغرافي، والإرث التاريخي، والتداخل الاجتماعي، والمصالح الاقتصادية، وعامل الإرهاب ومضاعفاته. إن الأسوأ ما سيأتي، إن لم يستوعب العالم العربي التحول الجاري في العالم، ولم يوظف إيجابيا الديناميات بداخله». وختمتُ بالقول مستعملا مثلا عربيا: قبْل الرِّماء تُملأ الكَنائن. والكنائن جمع كنانة، وهي حيث توضع السهام. وكنائن العصر الحديث هي المعرفة، والمؤسسات الحاضنة لها، من جامعة ومراكز بحث ورأي عام. نعيش مرحلة جديدة من تاريخ البشرية أغلقت قوس حائط برلين. وإذا كانت بؤرة التحولات التي أعقبت سقوط حائط برلين هي أوروبا الشرقية، حيث أطاحت بأنظمة، وأرست نموذجا اقتصاديا جديدا خلخل بنيات قائمة، من خلال ما سُمي بالعلاج بالصدمة، وفكك دولا، فإن حلبة ما بعد مرحلة سقوط برلين ستكون العالم العربي أو هو البؤرة الأبرز. وهو الأمر الجاري حاليا، ما ينذر بتحولات بنيوية، من خلال طرح تحديات غير مسبوقة، وأخطار مُطوِّحة، من تدخلات أجنبية، وانقسامات داخلية، بيد أن هذه التحولات يمكن أن تنبني على سوانح أو فرص، كما الريح في الملاحة الشرعية، فقد لا تكون ملائمة، ولكن من شأن الربان الماهر أن يحسن توظيفها. والربان هنا هو النخب الفكرية والسياسية.
نعم، لم يكن ما بشرت به أمريكا عقب نهاية الحرب الباردة ليبرالية، وإنما قواعد كازينو في أحسن الحالات، وشرعة الغاب في أسوئها. وكان من نتائج هذه الأيديولوجية النزاعات في العلاقات الدولية، وضرب المنظومة التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية عرض الحائط، وتصدع الناتو، والفوضى الاقتصادية، وتفشي المشاكل الاجتماعية، فضلا عن مشاكل البيئة والهجرة والإرهاب. يشبه السياق الحالي سياق ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما أفضى له من تفشي الاتجاهات الفاشية التي استغلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية حينها. ما لا يقوله الكاتبان هو أن الاتجاهات اليمينة المتفشية حاليا، هي شكل من أشكال الفاشية. 9 نوفمبر 1989 وراءنا. لم يكن نهاية التاريخ، كما زعم فوكوياما، ويرى صاحبا «النور الذي أخفق» أنه قد يكون بداية التاريخ، مع الرجوع إلى روح الليبرالية. كل ذلك نقاش غربي. السؤال هو مدى تأثير ما يعتمل في الغرب على عالمنا؟
لقد قلت وأتمنى أن أكون مخطئا، وهو أن بؤرة تحولات مرحلة ما بعد سقوط حائط برلين سوف تكون العالم العربي. ليس الأمر سلبيا بالضرورة، طالما صاحبه تصور وإرادة وعزم. أحب دوما أن استشهد بمقولة للشاعر الألماني هولدرن: كلما عظُم حجم الأخطار التي تترصدنا، كبُر ما من شأنه أن ينقذنا.

عن عزالدين السريفي

شاهد أيضاً

أخنوش يوجه دعوة لكافة المؤتمرين قبل انعقاد أشغال المؤتمر الاستثنائي

بناءا على مقتضيات النظامين الأساسي والداخلي، وبمبادرة من الرئيس عزيز أخنوش، يعلن حزب التجمع الوطني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.