أخبار عاجلة
الرئيسية / 24 ساعة / رحلة في كواليس الـ”كاف” وقصة اكتساح مغربي

رحلة في كواليس الـ”كاف” وقصة اكتساح مغربي

تعرض المغرب لهجوم عنيف في الآونة الأخيرة من قبل الإعلام المصري بسبب اختيار ملعب محمد الخامس في الدار البيضاء لاحتضان نهائي دوري أبطال إفريقيا للموسم الجاري. إذ طالب المصريون بإجراء المباراة في ملعب محايد في إطار مبدأ تكافؤ الفرص ورفعوا سقف احتجاجاتهم إلى درجة إيداع الملف في محكمة التحكيم الرياضي (TAS).

الاحتجاج في الشكل يبدو مقبولا ومعقولا بل مطلوبا وإن كان مضمونه لا يستند على معطيات موضوعية، لكن قراءة متأنية لكل ما قيل وكتب ودبج في مختلف وسائل الإعلام والتواصل المصرية طوال الأيام الماضية، يدفعنا لطرح أسئلة أعمق بخصوص النوايا الكامنة وراء كل هذا “الزعيق”.

في الملف التالي سنحاول الإحاطة بخلفيات الهجوم الإعلامي على المغرب وعلاقة ذلك بصراع المواقع في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والتحولات الجارية في الهيئة تفاعلا مع ما يجري في محيطها القاري الشاسع.

لا مجال للعودة إلى الاستفاضة في نقاش طال كثيرا دون مبررات موضوعية تفسر الهجوم المصري بمؤسساته وإعلامه وجمهوره على المغرب والكاف، حتى تجاوز حدود اللباقة في بعض الأحيان.

قد يكون من باب الإنصاف تنظيم مباراة النهائي في ملعب محايد مستقبلا لتفادي ما حدث، لكن تطبيق هذا المبدأ يصطدم بمعيقات أبرزها قلة الملاعب المستجيبة للمعايير الدولية المعمول بها، بما فيها المصرية وعدم اهتمام مجموعة من الدول بالتنظيم كما حدث هذه السنة، فالمغرب والسنغال فقط قدما ترشيحهما لاحتضان النهائي من بين أكثر من 50 دولة.

«الأمور واضحة، الكاف طبق القانون بفتح الترشيحات وبقي في النهاية ملفا المغرب والسنغال، فإفريقيا ليست أوروبا التي تحدد الملعب قبل مدة طويلة فمن الآن المعروف أن نهائي دوري أبطال أوروبا 2023 سيقام في إسطنبول. ولو فرضنا اختير السنغال للنهائي هل تتصورون أن يمتلأ الملعب؟ لا أعتقد أن الجمهور سيتعدى 5 آلاف متفرج. ولو فرضنا أن ملعب الدار البيضاء اختير لنهائي بين الأهلي وأورلاندو بيراتس مثلا فلن يمتلئ الملعب لأن الجمهور المغربي لن يهتم بنهائي لا يمثل أحد طرفيه بلده». يقول سعيد بلخياط عضو المكتب التنفيذي للكاف سابقا في حديثه للصحافة.

ضجيج الصحافة المصرية

الطريقة التي تناولت بها بعض وسائل الإعلام المصرية موضوع نهائي دوري الأبطال يعتبر امتدادا لأسلوبها الخاص في تعاطيها مع مجموعة من القضايا خصوصا مع جيرانها، فما حدث سنة 2009 على هامش مباراة الجزائر ومصر في إقصائيات كأس العالم 2010 من أحداث منفلتة مازال عالقا في أذهان الجميع.

«ليست المرة الأولى التي نتعرض فيها لهجوم شرس من الصحافة المصرية فقد سبق أن أطلقت وصف حرب أكتوبر الثانية على المباراة التي جمعت المغرب ومصر في أكتوبر 1996 ضمن إقصائيات كأس إفريقيا لسنة 1998، وأثار هذا الوصف ضجة كبيرة حينها. علما بأن الجيش المغربي شارك في حرب أكتوبر إلى جانب مصر» يقول سعيد بلخياط.

ويستطرد المتحدث نفسه: «الإعلام يبالغ كثيرا واليوم مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي يزداد الضجيج. لِنَرَ ما يحدث في الجزائر مثلا فما زال هناك من يوهم الناس إلى اليوم بأن المباراة مع الكاميرون ستعاد في حين أن هذا غير وارد في قانون كرة القدم على الإطلاق. لازلنا نتذكر كيف فازت فرنسا على إيرلندا سنة 2009 في تصفيات مونديال 2010 بفضل هدف غير مشروع بيد تييري هنري وكل ما حدث أن الفيفا قدمت اعتذارا رسميا لإيرلندا لكنها رفضت إعادة المباراة».

تأثير الحضن والنشأة

إذا كان التأثير المصري واضحا على الاتحاد الإفريقي لكرة القدم فالأمر طبيعي ويعود في الأساس إلى ظروف نشأة الهيئة القارية، حيث كانت مصر إحدى الأضلاع الأربعة التي قامت عليها الهيئة القارية إلى جانب إثيوبيا والسودان وجنوب إفريقيا.

فقد شهد الجمع العام التأسيسي يوم 8 فبراير 1957 في العاصمة السودانية الخرطوم مشاركة خمسة ممثلين عن مصر أبرزهم عبدالعزيز سالم الذي انتخب أول رئيس للهيئة الحديثة ومراد فهمي الذي تولى منصب الأمانة العامة من 1961 إلى غاية 1981.

قدمت مصر دعما مهما للهيئة الجديدة، تمثل الشق المادي في دفع بعض ديونها المتراكمة في غياب مداخيل في ذلك الوقت، كما خصصت لها اللجنة الأولمبية حينها ميزانية سنوية تقدر بـ 2000 جنيه مصري.

وفي الشق اللوجستي منحت مكاتب مطلة على النيل في مقر الاتحاد المصري لكرة القدم وسهلت عليها كل الأمور الإدارية، أي بعبارة أخرى فمصر ليست فقط إحدى الدول الأربعة المؤسسة للهيئة القارية الجديدة بل المحتضنة لها كذلك.

لهذه الاعتبارات، فمن الطبيعي أن تكون لمصر مكانتها في الكاف بل وبصمتها على امتداد العقود الماضية حتى وإن شكل ذلك عائقا في ما بعد لكون الهيئة لم تواكب رياح العصر التي هبت على كل مناحي الحياة من حيث الإدارة والتدبير والتسويق.

الغياب المغربي

إذا كانت بعض الأصوات من شمال إفريقيا تنتقد حضور لقجع الوازن في الكاف اليوم، فذلك راجع لمعرفتها بما كان يقدمه ممثلوها لبلدانهم بالأمس بفضل حضورهم الدائم في المكتب التنفيذي للهيئة القارية.

كان غياب المغرب عن الكاف يرجع لعوامل ذاتية بالأساس، سواء من حيث الرغبة في ضمان التمثيلية أو المراهنة على تنظيم الأحداث، كما يقول سعيد بلخياط بديبلوماسيته المعهودة في حديثه للأيام: «المصريون فازوا بمجموعة من الكؤوس الإفريقية لأنهم امتلكوا الشجاعة لتنظيمها، ولا ننسى أننا لحد الساعة لم ننظمها ولو لمرة واحدة، باستثناء نسخة 2015 التي نقلت إلى بلد آخر لظروف قاهرة. مصر نظمت كأس إفريقيا خمس مرات في حين أننا لم نشارك لأول مرة إلا سنة 1972، وفي ذلك الوقت كانت مصرا متوجة باللقب ثلاث مرات. كانت لدينا الفرصة لتقديم ترشيحنا لتنظيم كأس إفريقيا لكننا لم نقدم على هذه الخطوة. فماذا نظمنا خلال 30 سنة؟ كأس إفريقيا للشباب سنة 1997 فقط!».

ويصف عبدالرزاق حمادشي الباحث في السياسة الرياضية، في تصريح لـ«الأيام»، علاقة المغرب بالكاف بالضبابية، مرجعا ذلك إلى عدم وعي وإدراك المدبر الرياضي -ويقصد الرؤساء الذين تعاقبوا على ترؤس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم- لأهمية التغلغل في دهاليز الاتحاد الإفريقي للعبة، وما له من امتيازات ستعود بالنفع العظيم على البلاد والأندية المغربية حينذاك، فالطرف المغربي سلك مسلك الكرسي الفارغ.

وعزا المتحدث ذاته أسباب الغياب المغربي الطويل عن الكاف إلى ضعف الدبلوماسية الرياضية المغربية حينها ومسايرة الخط العام الذي نهجته الدولة والقاضي بالانسحاب من الاتحاد الإفريقي وعدم وجود خارطة طريق واضحة وعدم كفاية القدرات التسويقية في المجال الرياضي وتضارب المصالح وتشابكها بين بلدان شمال إفريقيا، وضعف التكوين لدى المسير الرياضي المغربي.

اصطدام المغرب مع الكاف

الهدوء الذي ساد على الأقل ظاهريا علاقة المغرب بالكاف انتهى سنة 2015 حينما طلبت السلطات المغربية تأجيل كأس إفريقيا التي كان مقررا أن تحتضنها ملاعب المملكة إلى يونيو بسبب انتشار وباء إيبولا حينها، لكن الكاف رفض وتشبت بضرورة تنظيمها ليوقع عقوبات على المغرب منها حرمانه من المشاركة في النسختين اللاحقتين من البطولة سنتي 2017 و2019.

المغرب رفع دعوى أمام محكمة التحكيم الرياضي (TAS) فقبلت الملف وحكمت لصالحه ليرفع الإيقاف، وفي الشق المالي خفضت مبلغ الغرامة من مليون دولار إلى 5 آلاف دولار فقط.

يتذكر سعيد بلخياط عضو المكتب التنفيذي للكاف سابقا ما حدث آنذاك بقوله: «لا أقول كنت ضحية، ولكني عشت ضغوطا من الداخل. كنت الوحيد الذي دافع عن المغرب حينها، وقلت لهم إن موقف بلادي قانوني وما زلت أحتفظ بمحضر اجتماع المكتب التنفيذي، في حين أن الجميع بدون استثناء كانوا ضد المغرب بمن فيهم أصدقاؤنا. كان بالإمكان تأجيل الكأس إلى يونيو وإيجاد حلول مع الشركاء والمستشهرين والمتعاقدين».

«اصطدمت بعيسى حياتو حينها بسبب إصراره على موقفه. فرأي الرئيس في ذلك الوقت كان قويا جدا، واليوم لا أظن أن رئيسا يمكن أن يكون بمستوى سلطته تلك. أما اليوم فللمغرب صوت قوي في الكاف بفضل فوزي لقجع لأنه يحضر بصفته رئيسا للجامعة في حين أنني لم أكن أملك مثل هذه القوة»، يضيف بلخياط.

كيف هبت رياح التغيير

لم يطل المقام بالكاميروني عيسى حياتو في الكاف بعد الصراع العلني مع المغرب وكان من الأسباب التي كلفته منصبه لاحقا.

يوم 16 مارس 2017 أطيح بحياتو بعد 20 سنة حكم خلالها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بيد من حديد كما هو حال كثير من الزعماء الأفارقة المعمرين، والبديل كان الملغاشي أحمد أحمد المدعوم من المغرب.

دخل أحمد أحمد عش الدبابير، فلم يتردد في نفض الغبار عن ملفات كثيرة ظلت حكرا على أسماء محدودة طوال عقود من الزمن. ولم يغفر المصريون أبدا لأحمد تجرؤه على إقالة عدد من المسؤولين والموظفين من أبناء جلدتهم بوتيرة زادت بعدما تيقن أنهم يقفون خلف الطعنات التي يتلقاها في ظهره، كإفشاء السر المهني وتسريب وثائق خاصة لجهات أجنبية.

وقبل ذلك، أقال رئيس الكاف المصري عمرو فهمي الأمين العام، وهو ما لم يغفره له الأخير ولا مواطنوه، فالمنصب ورثه عن جده وأبيه اللذين عمرا في المنصب لأربعة عقود كاملة.

ما حدث بعدها يعرفه الجميع، فقد فتحت أبواب جهنم على الكاف ورئيسها الذي وجد نفسه في قلب عاصفة من «الفضائح» المقترنة بإساءة استخدام المنصب واختلاس الأموال وارتكاب مخالفات في تدبير الكاف وعلاقته المشبوهة بشركة التجهيزات الرياضية تاكتيكال ستييل وأنشطة أخرى لم تثبت إدانته بها من أي هيئة قضائية لحد الآن.

أحمد واجه كذلك اتهامات بالتحرش الجنسي من قبل موظفات مصريات في الكاف لم يكشف عن أسمائهن إلى اليوم، فلم يتوجهن إلى القضاء المصري بل اكتفين بتحرير شكاية موجهة للجنة الأخلاقيات في الفيفا بتاريخ 7 أبريل 2019 تتهمن فيه رئيس الكاف بالتحرش.

عقد الاستضافة .. صراع الامتيازات

إحدى النقاط التي زادت من توتير العلاقة بين الكاف في شخص رئيسه السابق الملغاشي أحمد أحمد والسلطات المصرية هي استضافة مقر الهيئة، فطيلة العقود السابقة كان الوضع غامضا إلى غاية 2007 حين وقعت الهيئة القارية أول اتفاقية استضافة مع الحكومة المصرية لمدة خمس سنوات جددت تلقائيا سنة 2012 وانتهت في 2017.

الشروط التي وضعها أحمد أخرت توقيع الاتفاقية لثلاث سنوات كاملة مما زاد من انتشار عدد من الإشاعات أبرزها أن الرئيس الملغاشي يفكر في نقل مقر الكاف إلى بلد آخر.

تعهدت السلطات المصرية، حسب اتفاقية الاستضافة الجديدة لسنة 2020، بتوفير خدمات المرافق لضمان تزويد المقر بالخدمات العامة الضرورية بما في ذلك الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز والهاتف والنقل المحلي والحماية المدنية.

وإلى جانب حزمة الامتيازات الضريبية والجمركية التي سيتمتع بها مقر الكاف فإن المكتب التنفيذي برئاسة أحمد أحمد مارس ضغوطا على مصر من أجل منح الكاف صفة المؤسسة الرياضية الدولية بسلطات ديبلوماسية تتيح لها تطوير عملها الإداري والتقني وفق شروط احترافية لمسايرة العصر. الوضع السابق للكاف كان يطرح مجموعة من المشاكل كصعوبة التعاقد مع موظفين خارج مصر وحصولهم على تأشيرة عمل تتيح لهم التحرك بحرية في البلد اعتبارا لكون أغلب وظائف الكاف يسيطر عليها المصريون في حين أن الكاف يرغب في تمثيل جغرافي متوازن لجهات القارة الإفريقية تطبيقا لمبدأ تكافؤ الفرص.

الوضع السابق فرض على عيسى حياتو العمل في مكتبه الخاص في العاصمة الكاميرونية ياوندي بدل الإقامة لوقت أطول في مصر وهو الأمر الذي ورثه عنه خلفه أحمد أحمد بتفضيله للعمل في مكتب خاص في مدينة ماهاجانغا الملغاشية.

قطاف ثمار العودة السياسية للاتحاد الإفريقي رياضيا

وقعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سلسلة من اتفاقيات الشراكة بشكل متتابع مع مجموعة من الاتحادات الإفريقية للعبة سنة 2017. الأمر يبدو عاديا، لكنه في الحقيقة كان خطوة تفسر ما حدث قبلها وما تلاها بعد ذلك، فهذه الاتفاقيات كانت ثمرة لعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي بعد غياب عن هذه المنظمة لمدة ناهزت 33 سنة وكذا لانفتاح المغرب أكثر على جيرانه من دول جنوب الصحراء وتمتين علاقاته الديبلوماسية والاقتصادية بها كما تجلى ذلك في عدد من الزيارات الرسمية لملك المغرب.

وكان طبيعيا أن تنعكس العلاقات الديبلوماسية الطيبة مع دول القارة على الجانب الرياضي، حتى بلغت أوجها في الآونة الأخيرة حين احتضنت مجموعة من ملاعب المملكة المباريات الرسمية لمنتخباتها في إقصائيات كأس العالم الأخيرة بفضل البنيات التحتية الجاهزة التي وفرتها المملكة لضيوفها.

في هذا السياق، قطفت جامعة كرة القدم ولقجع ثمار المجهود الديبلوماسي رياضيا بعدما أصبح الأخير أول مغربي يحصل على مقعد في مجلس الفيفا.

يقول عبدالرزاق حمادشي الباحث في السياسة الرياضية: «الدبلوماسية الناعمة والموازية كانت مبنية على التوافقات والتعاون وكان من مظاهرها عقد اتفاقية شراكة مع أكثر من 20 اتحادا قاريا، تهم تبادل الخبرات والأطر وتجهيز الملاعب والدعم المالي وتنظيم دورات لفائدة المدربين الأفارقة واحتضان مباريات دولية خاصة ببعض المنتخبات الإفريقية».

«لطالما كان للسياسة في إفريقيا تأثير كبير على الرياضة، على الرغم من الحديث المتكرر حد الابتذال عن تعارض الرياضة والسياسة. على العكس من ذلك، لعبت الرياضة دورًا ذا مغزى في سياسات الدول الإفريقية، من بناء الدولة إلى توسيع خيارات السياسات الخارجية إلى إقامة تحالفات وطنية للدول.» تلك واحدة من الخلاصات التي خرجت بها الأمريكية ميشيل سايكس أستاذة الدراسات الإفريقية في جامعة بينسيلفانيا في أحد مقالاتها الأكاديمية المنشورة.

وتضيف الباحثة في فقرة أخرى من مقالها: «أصبحت الرياضة جزءًا من سياسات التحرر من الحكم الاستعماري ومحاولات القادة الأفارقة لتشكيل هويات جديدة مع ترسيخ قوتهم في مرحلة ما بعد الاستعمار. في بعض السياقات، جاءت الرياضة لدعم مشاريع بناء الدولة وإن تسببت في أماكن أخرى في الانقسام. تعتبر الرياضة في إفريقيا مجالًا للدراسة مهمًا في حد ذاته وقيِّمًا يمكن من خلالها فهم تضاريس السياسة الإفريقية على نطاق أوسع».

الكاف في المسار الصحيح

شهد الاتحاد الإفريقي مجموعة من التحولات السريعة والمتلاحقة على مدار السنوات القليلة الماضية، جزء منها كان بدعم مباشر من الفيفا.

تحولات يصفها سعيد بلخياط بالإيجابية بناء على تجربته السابقة في المكتب التنفيذي للكاف مضيفا في هذا الصدد في تصريحه للأيام: «تغيرت الكثير من الأمور في الاتجاه الإيجابي، فالتمثيلية في المجلس التنفيذي انتقلت من 12 عضوا إلى أكثر من 23 حاليا وارتفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس إفريقيا للأمم من 16 إلى 24 كما أن الكؤوس الإفريقية للأندية أصبحت تقام من شتنبر إلى يونيو علما بأن 12 اتحادا إفريقيا فقط يقيم بطولته خلال السنة الميلادية».

«الكاف كانت هي الرئيس فكلمته لها وزنها وقيمتها وقوتها، فسلطة الرئيس كانت حينها كبيرة. يبدو لي أن الرؤساء الذي جاؤوا بعد عيسى حياتو ليست لديهم الشخصية والكاريزما والسلطة نفسها، وأنا شخصيا أرى هذا التغيير في الاتجاه الإيجابي. من الصعب المقارنة بين عصرين، فالكاف تقدمت كثيرا وأصبحت أكثر ديموقراطية. لو كان حياتو على رأس الكاف فلن ينظم المغرب نهائي دوري الأبطال 2022 أبدا ولن يتم اللجوء للتصويت بل سيفرض كلمته بنقل المباراة إلى ملعب آخر». يقول سعيد بلخياط.

وشهد شاهد من أهل أرض الكنانة

كان فاروق جعفر شجاعا حينما كشف جانبا مما كان يجري في كواليس المسابقات الإفريقية خصوصا المتعلق باستمالة الحكام والتأثير عليهم لتسهيل مهامهم بطرق معينة.

فقد قال عميد نادي الزمالك الأسبق في لقاء تلفزيوني أثار ضجة مؤخرا إن عمداء الفرق المصرية (الأهلي والزمالك والمقاولون والإسماعيلي والمحلة…) إلى جانب بعض الإداريين والتقنيين كانوا يجالسون الحكام المعينين لإدارة مبارياتهم القارية للاتفاق على صيغة المساعدة التي سيحصلون عليها، وتخييرهم بين ضربات الجزاء أو طرد أحد لاعبي الفريق المنافس والتوقيت الأنسب لذلك مثل انصرام ربع ساعة على البداية من أجل تفادي الشكوك.

أما المقابل الذي كان يتقاضاه الحكام حسب المصدر نفسه مقابل «مهامهم الاستثنائية» فيتمثل في دفع ثمن مشترياتهم خلال تواجدهم في البلد وتحمل تكاليف إقامتهم في أفخم الفنادق ومضاعفة المبلغ المخصص لمصروف الجيب.

«المصريون المتواجدون في الاتحاد الإفريقي كان لهم دور أساسي في البطولات التي حققتها أنديتهم، قبل أن يقل تواجدهم بداية من 2013 وأعرف ذلك لأنني كنت أشتغل في المؤسسة». يضيف فاروق جعفر في لقاء تلفزيوني.

واعتبر جعفر أن إلغاء هدف صحيح في مرمى مصر كان سببا مباشرا في تأهلها إلى مونديال 1990 في إشارة إلى المواجهة التاريخية الشهيرة التي جمعتها بمنتخب الجزائر سنة 1989. ثم ذهب أكثر من ذلك حينما اعترف بكون كل ضربات الجزاء التي حصل عليها الزمالك بين 1980 و1985 غير سليمة بما فيها تلك التي منحت له شخصيا في مواجهة إفريقية مع نادي الجيش الملكي، حيث كان يومها بعيدا عن المدافع لكن الحكم اندفع دون تردد للإعلان عن ضربة جزاء.

«الخدمة كلها متاع كواليس»

تخلى سليم شيبوب الرئيس السابق لنادي الترجي التونسي عن كل تحفظه طوال السنوات الماضية من تواجده قرب أهم رموز النظام التونسي السابق، حيث أصبح يحل ضيفا على مجموعة من وسائل الإعلام التونسية للحديث عن أمور الرياضة دون حرج.

وفي عدد من اللقاءات، اعترف شيبوب بكون الهدف من التواجد في المؤسسات والهيئات القارية والدولية هو الدفاع عن مصالح الأندية والمنتخبات والبلد الذي تمثله.

«عندما يعين عضو من نادي معين في الجامعة فَلِكَيْ يدافع عن مصالحه فيها وكذلك بالنسبة للاتحادات الدولية فمهمته هي الدفاع عن مصالح بلاده سواء بالمساعدة على تعيين حكم معين أو استبعاد آخر وتيسير مهمة الحصول على تنظيم البطولات». يقول شيبوب في أحد حواراته الكثيرة المتوفرة في عدد من وسائل التواصل الاجتماعي.

سليم شيبوب استمد قوته من مصاهرته للرئيس السابق زين العابدين بن علي لينسج علاقات هامة ويصبح أحد أثرياء تونس ورموز نظامها قبل أن يصبح مطاردا من قبل العدالة داخل تونس وخارجها بعد الإطاحة ببن علي.

شيبوب رد على استفسار لأحد الصحفيين في واحدة من المرات الكثيرة التي حل فيها ضيفا على إحدى الإذاعات التونسية قائلا: «الخدمة كلها متاع كواليس وكلها متاع لوبيات وكأني قاعد نحكي ليكم في حاجات من المريخ».

مؤسسة رهينة خمسينيات القرن الماضي

على امتداد عقود، ظلت الكاف تعكس بجلاء التناقضات التي تعيشها القارة الإفريقية في مختلف المجالات، لذلك لم يكن غريبا أن تحبس المؤسسة نفسها في خمسينيات القرن العشرين في أسلوب تدبيرها الأقرب إلى الإقطاع.

ولذا، لم تجد الإدارة الجديدة بقيادة الملغاشي أحمد بُدَّا من قبول يد المساعدة الممدودة من قبل جياني إنفانتينو رئيس الفيفا لإجراء افتحاص شامل للهيئة القارية يشمل استراتيجية العمل والتدبير المالي والحكامة والمشتريات والتدبير القانوني وإدارة المنافسات والتسويق وتدبير الموارد البشرية.

المهمة كانت تتطلب مدة طويلة، لذلك اضطر إنفانتينو «لإعارة» أمينته العامة السنغالية فاطمة سامورا لأبناء عمومتها لمدة ستة أشهر كاملة أقامت خلالها بالقاهرة رفقة فريق عملها لإجراء تدقيق في ملفات الكاف المتآكلة.

التقرير كشف أوجه القصور مثل التأخر في اتخاذ القرارات بسبب مواعيد اجتماعات المكتب التنفيذي، وافتقاد قرارات لجنة الطوارئ لصفة الرسمية، والمواعيد غير المضبوطة لاجتماعات اللجان الدائمة، وضعف التواصل في الشق المتعلق بالحكامة، والهيكلة التي لا تراعي الأولويات الاستراتيجية واشتغال أقسام الإدارة بمعزل عن بعضها البعض، والمرونة المفتقدة في العلاقة مع المؤسسات الخارجية، وغياب مؤشرات لقياس درجة الأداء والفعالية في مختلف أقسام المؤسسة، والأدوار والمهام المبهمة في الشق المتعلق بالتنظيم، وغياب إجراءات خاصة بالتدبير المالي والأرشفة، وتشابك العمليات المالية وتداخلها وغياب العناية اللازمة بالموردين والحسابات البنكية، والدفع عن طريق الكاش مع غياب طريقة لتتبع مسار الأموال في الشق المتعلق بالتدبير المالي، وغياب إجراءات خاصة بالتوظيف والتقييم والترقية، وغياب توصيف للوظائف وغياب نظام وظيفي مبني على الدرجات، وغياب عقود عمل رسمية في الشق المتعلق بالموارد البشرية، وغياب قسم خاص بالنظام المعلوماتي حيث يتواجد موظف وحيد فقط مكلف بالمعلوماتيات، وغياب قسم للأمن المعلوماتي في ظل اعتماد نظام معلوماتي هش وسهل الاختراق، فضلا عن غياب قسم خاص بالتموين.

أحمد أحمد: إدارة الكاف رهينة في يد بعض الأشخاص

«سأواصل محاولاتي لإصلاح الكاف حتى لو بقيت في منصبي أسبوعا واحدا». هذه واحدة من أبرز العبارات التي وجهها الملغاشي أحمد أحمد لأعضاء المكتب التنفيذي للكاف في الاجتماع الطارئ المنعقد في باريس في يونيو 2019 لتداول النقطة الوحيدة في جدول الأعمال آنذاك، والتي كانت خاصة بأحداث مباراة نهائي دوري أبطال إفريقيا في تونس بين الترجي والوداد أو ما سمي لاحقا بفضيحة «الفار»(VAR).

أحمد وجه اتهامات مباشرة لجهات معينة لم يسمها بالوقوف وراء الحملة المنظمة ضده للحيلولة دون إكمال مسلسل الإصلاحات التي باشرها في الهيئة القارية. وأضاف في حديثه لأعضاء مكتبه التنفيذي: «لم تكن السنتان الماضيتان سهلة علينا لأن الإدارة كانت رهينة في يد بعض الأشخاص».

كان الرجل يومها يدرك جيدا أن مقامه في الهيئة القارية لن يطول كثيرا أمام كثرة الضربات المتتالية التي تلقاها حتى ذلك الحين، والتي بلغت أوجها حينما دخلت الفيفا على الخط وأوقفته عن طريق لجنة أخلاقياتها بعد انطلاق حملة الترشح لمنصب الرئاسة، في توقيت اعتبر من قبل المتتبعين أنه مؤشر على كون إنفانتينو تخلى عن الملغاشي وبات يفكر في بديل له.

أما الضربة الموجعة التالية فجاءت من القضاء الفرنسي الذي فتح تحقيقا مع أحمد في باريس في يونيو 2019 للاشتباه بتورطه في قضايا فساد.

إنفانتينو للأفارقة: ما أراه في وجوهكم يحزنني

لم يتردد السويسري جياني إنفانتينو رئيس الفيفا في توجيه انتقادات لاذعة لمسؤولي كرة القدم الإفريقية خلال ندوة «تطوير المنافسات والبنيات التحية في إفريقيا» التي احتضنها مجمع محمد السادس لكرة القدم في فبراير 2020.

خلال كلمة دامت ما يفوق 50 دقيقة قدم إنفانتينو تشريحا دقيقا لوضعية اللعبة الشعبية في القارة السمراء، منتقدا مدبري شؤون كرة القدم الإفريقية بسبب تقاعسهم وتخاذلهم عن اتخاذ المبادرة للنهوض باللعبة رغم وجود المواهب والإمكانيات.

«ما رأيته في الوجوه يجعلني حزينا. عليكم أن تمتلكوا الشجاعة للقيام بالأمور كما يجب فإفريقيا سوق ناشئ وواعد لذلك عليكم أن تعملوا على تغيير طريقة تفكيركم. الفيفا خصصت مليون دولار ونصف المليون لكل اتحاد إفريقي لكن الكثير منها لا يتلقى سوى 250 ألف دولار في السنة وأنتم تعلمون السبب جيدا. فحتى بمبلغ 1.5 مليون سنويا لن تغيروا شيئا في القارة. يتعين عليكم أن تتعلموا كيف تساهمون في الارتقاء بكرة القدم في بلدانكم».

رئيس الفيفا اتخذ خطوات عملية بعد ذلك منها العلني كإشراف أمينته العامة على تحقيق داخلي في الكاف، ومنها غير المعلن كالدفع بالجنوب إفريقي باتريس موتسيبي لرئاسة الكاف والمساهمة في تعيين كاتب عام (أمين عام) جديد.

الأمانة العامة .. المغرب ينهي 6 عقود من السيطرة المصرية

منذ تأسيس الكاف سنة 1957 إلى غاية 2010 ظل منصب الكاتب العام أو الأمين العام حكرا على المسؤولين المصريين، بل أكثر من ذلك، أن عائلة فهمي وحدها سيطرت على المنصب لمدة طويلة بداية من مراد فهمي أحد مؤسسي الهيئة القارية الذي شغل المنصب من 1961 إلى 1982 ثم ابنه مصطفى فهمي من 1982 إلى 2010 فحفيده عمرو فهمي من 2017 إلى 2019.

إذا كان الأمر مفهوما ومستساغا في البداية فإن مقاومة الكاف لرياح التغيير التي هبت على مجموعة من القطاعات الأخرى يبقى محيرا. «كان المفروض أن تعتمد آلية المداورة بين الدول الأعضاء أي أن يشرف على هذا الجهاز ممثل عن اتحاد كل خمس أو أربع سنوات، أو أن تعتمد آلية الانتخاب وإجراء مباراة مهنية لانتقاء كاتب عام للكاف وفقا للمبادئ الديمقراطية المتعارف عليها، أما أن تحتكر مصر هذا المنصب طوال هذه المدة فهذا يعني أن الاتحاد الإفريقي يعاني من ضعف الحكامة في تدبير موارده البشرية، فعن أي نزاهة نتحدث؟ وعن أي عقلنة تدبيرية نتحدث؟ وعن أي احترافية تسييرية نتحدث»؟ يقول عبدالرزاق حمادشي الباحث في السياسة الرياضية.

في المقابل، قلل سعيد بلخياط من هذا المعطى مؤكدا أن الموظفين لا تأثير لهم في الملعب ولا في نتائج المباريات، ضاربا المثل بتجربته الشخصية في هذا الباب حيث يقول: «لا أتذكر أن عيسى حياتو أو أي أحد أعطى تعليمات من أجل التأثير على سير مباراة سواء لصالح المصريين أو التونسيين، بل أكثر من ذلك فالكاميرون كان ضحية في بعض المرات للتحكيم سواء في إقصائيات كأس إفريقيا أو كأس العالم. أتذكر مثلا نهائي دوري الأبطال بين الترجي وقلوب الصنوبر الغاني سنة 2000، يومها طلب مني عيسى حياتو شخصيا أن أحضر المباراة بصفة مراقب بسبب الأصداء التي وصلته بكون سليم شيبوب رئيس الترجي يؤثر على الحكام ونبهت حينها الحكم الموريسي الذي أدار المباراة وفي النهاية توج الفريق الغاني باللقب بفوزه ذهابا وإيابا».

عن جسر بريس

شاهد أيضاً

حملة طبية تزيل “الجلالة” من العيون في تيفلت ومندوب الوزارة يبعث الامل للساكنة بشأن القطاع الصحي في المستقبل القريب

تنظم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية منذ الامس الاثنين الى غاية 2 دجنبر 2022 حملة طبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.