الرئيسية / 24 ساعة / أسعار المحروقات تلتهب في بلدان منتجة .. ماذا عن المغرب؟

أسعار المحروقات تلتهب في بلدان منتجة .. ماذا عن المغرب؟

من الإنصاف التوقف عند الحقائق بدلا عن ترويج أنصاف الحقائق بل والمصادرات والادعاءات. نحن في حاجة ماسة جدا لهذه القاعدة في الظرفية الحالية التي نمر بها بسبب هذا الكم الهائل المتدفق من المزايدات التي تطلق على هامش قضية ارتفاع أسعار المحروقات. إذ لا يزال بعض الأطراف يتعاملون مع هذا الأمر إعلاميا وعلى شبكات التواصل الاجتماعي وكأنه ظاهرة مغربية صرفة، بينما يتجاهل البعض الآخر أن الحكومة المغربية تلعب دورا خرافيا كحائط صد أمام إمكانية الانفجار الذي يمكن أن تعرفه هذه الأسعار. لا يجب أن ننسى أن المغرب قرر ومنذ سنوات رفع الدعم العمومي عن المحروقات وأن السعر الذي يشتري به المواطن اليوم حاجته من الغازوال والبنزين يشمل فقط الضرائب وأرباح التوزيع.
وإذا كان البعض يعتقد أن أسعار المحروقات في المغرب مرتفعة فإن ذلك نابع أساسا من عدم اطلاع على ما يحدث في بقية بلدان العالم. في فرنسا تجاوز معدل سعر المحروقات للتر الواحد أكثر من 2,06 أورو، أي ما يفوق 22 درهما للتر الواحد. وفي الصين بلغ سعر اللتر الواحد رقما قياسيا بوصوله إلى 9 يوان. وفي ألمانيا تفكر الحكومة الفيدرالية جديا في إعادة العمل بقانون يحظر على المواطنين استخدام سياراتهم يوم الأحد للتخفيف من وطأة الاستهلاك والتأثير بالتالي على الأسعار. وكانت الحكومة الألمانية قد شرعت هذا القانون في السبعينيات إبان الصدمة البترولية الشهيرة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة في التاريخ يسجل سعر الغالون من البنزين رقما قياسيا بتجاوز متوسط سعره خمسة دولارات. ويعيش المواطنون الأمريكيون لأول مرة في تاريخ بلادهم ارتفاعا غير مسبوق لأسعار المحروقات بشكل ترك آثارا بليغة على القدرة الشرائية. ولم يتردد الرئيس الأمريكي جو بايدن في تحذير الأمريكيين منبها إلى أن هذا التضخم قد يستمر لفترة ينبغي التعايش معه فيها. وتكمن المفارقة في الحالة الأمريكية في كون البلاد من كبار المنتجين العالميين للنفط، بينما لا تزال الأسعار في المغرب الذي لا ينتج قطرة بترول واحدة مستقرة إلى حد كبير، ولم تتجاوز الزيادات التي تم تسجيلها في سعر اللتر الواحد من الغازوال منذ بداية موجة التضخم الدولية 3 إلى 4 دراهم.
وعلى الرغم من أن الحكومة كانت صريحة بخصوص هذا الموضوع وهي تنفي اي إمكانية لعودة دعم المحروقات إلا أن الإجراءات التي تتخذها والحرص على ضمان التزويد المنتظم للسوق الداخلية بحاجياتها من المحروقات يجعل أسعارها منخفضة بالمقارنة مع ما هو حاصل في بقية بلدان العالم التي لا تنتهج سياسة الدعم مثل المغرب. ولا يجوز في هذا السياق ما يقوم به البعض من مصادرات عندما تتم مقارنة أسعار المحروقات في المغرب مع أسعارها في بلدان أخرى مجاورة تعتبر من كبار منتجي النفط، فلو كان المغرب ضمن قائمة هذه الدول المنتجة لربما كانت أسعار المحروقات فيه هي الأرخص في العالم كله. ولا معنى أيضا لمقارنة الأسعار في المغرب مع الأسعار في بلدان لا تزال تنتهج سياسة دعم تقليدية ترهق كاهل الموازنة العامة وتضطر البلاد إلى حلول مالية كالاقتراض التي تدفع الأجيال القادمة ثمنها.
إن النظر العقلاني إلى مشكلة أسعار المحروقات يقتضي إذن عدم إخراجها من السياق الدولي الذي نعيشه فيه ونكتوي بناره رغما عنا. فموجة التضخم وتداعيات جائحة فيروس كورونا وأزمات سلاسل التوريد والارتفاع الهائل للطلب الصيني واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية كلها عوامل لا دخل للمغرب ولا لحكومته أو شعبه بها، ومع كل ذلك فإن استقرار أسعار المحروقات في بلادنا تحت سقف 15 درهما يمثل في الحقيقة منجزا لا بد من الاعتراف به فهو في كل الأحوال يحسب لهذه الحكومة التي على الرغم من كل هذه الضغوطات المفاجئة إلا أنها ماضية في تنزيل أوراشها وإصلاحاتها الجوهرية.

عن جسر بريس

شاهد أيضاً

المغاربة أخوال مؤسس الدولة العباسية في المشرق و مؤسس الدولة الأموية في الأندلس

كلنا يعرف العلاقات السياسية و الروحية و الثقافية التي جمعت المغرب بالدولة العباسية و بالدولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.